سيارة (الجاغور) تصدم سيارة (البورش)
مشعل السديري
الاثنيـن 15 شعبـان 1434 هـ 24 يونيو 2013 العدد 12627
جريدة الشرق الاوسط
الصفحة: الــــــرأي

جاء في الإحصائيات الألمانية المثبتة أن (10%) من حوادث السيارات في المدن الألمانية مفتعلة، ويلفقها أصحاب السيارات أنفسهم سعيا وراء التعويضات التي تسددها شركات التأمين.

وما أن قرأت هذا الخبر حتى (هاجت الذكرى، واستبد بي الحنين) - مثلما تقول الأغنية القديمة - فعملت سريعا (يوتيرن) ورجعت دفعة واحدة إلى أوساط السبعينات من القرن الماضي، عندما كنت لا أعدو أن أكون مجرد صعلوك يتخبط في شوارع (سوهو) في لندن طلبا للاكتشاف وبحثا عن المتعة المجانية البريئة، وقادتني قدماي إلى الخروج من ذلك الحي إلى رصيف يحاذي فندق (الريتز) الفخم، وإذا بشاب وسيم (كاشخ) لم أعرفه لأول وهلة، غير أنه هو الذي عرفني من سيمائي (المبهذلة)، فناداني بالاسم، وما أن اقتربت منه حتى عرفته، وإذا به زميل لي في مراحل دراستي الأولية، والحق يقال: إنه كان تلميذا بليدا أغششه في بعض المواد، وبالمقابل يغششني هو في المواد الأخرى، فكلانا لم ننجح ولله الحمد إلا بالغش المتبادل.

على أي حال مضى هو في حال سبيله، مثلما مضيت أنا في حال سبيلي، ونظرا لأن والده ارتفع من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش إبان الطفرة المادية الأولى، فقد انقطع ذلك الزميل عن الدراسة، وأصبحت مهنته وهوايته هي اللعب بالملايين - وأنعم وأكرم بها من مهنة وهواية - فيما أخذت أنا أعيش مثلما يقولون (محلك سر)، وعزائي الوحيد هو تمكني من ترديدي الدائم للأغاني العاطفية المشبوبة، خصوصا عندما يداهمني البرد في الليالي الشتوية، ولا أجد من (يدفيني).

نزل هو من سيارته وأخذني مشكورا بالأحضان، وصمم على أن أركب معه وأرافقه في سيارته (الجاغور) الأسبور المكشوفة ذات المقعدين، امتثلت لأمره وسألته: إلى أين؟! فقال: إنني ذاهب إلى زيارة والدي في جناحه بفندق (الدورتشستر).

ونسيت أننا نركب سيارة مكشوفة، لأننا ما انطلقنا حتى اندفع الهواء المعاكس وانتزع (كسكتتي) التي أعتمرها فوق رأسي وقذف بها عاليا، حاولت أن أتخطفها بيدي غير أنها كانت أسرع مني وطارت للوراء وسقطت على أسفلت الشارع، وشاهدت الأتوبيس الأحمر الضخم ذا الطابقين يدهسها تحت عجلاته، فشعرت بالألم متخيلا أن رأسي ما زال فيها، كما شعرت بالحزن لأنها كانت هدية ممن يخفق لها القلب، فتشاءمت بجد من ذلك اليوم المهبب.

وما أن وصلنا إلى موقف السيارات حتى أشار لي عن سيارته الثانية المتوقفة هناك، فاستعلمته عن أيها من السيارات؟! فقال: إنها (البورش)، وعندما تأكد أنني لم أميزها أيضا حتى قال لي: الظاهر أنك متخلف لا تفهم بإشارات الأصابع، وتفاجأت به يصدمها من الخلف صدمة قوية قائلا: هذه هي يا غبي، ولا تزعج نفسك من الصدمة (فسمننا في دقيقنا).

فنزلت مذهولا ومترنحا بعد أن ارتطم وجهي (بالطبلون) من جراء صدمته الحمقاء تلك.

وأخذ يضحك من تعجبي قائلا: ولا يهمك فلدي كذلك سيارة ثالثة، وكل سياراتي مؤمن عليها (من إلى)، وإذا كان (حنكك) قد تأثر فشركة التأمين تتكفل بمصاريف علاجك، (فحط في بطنك بطيخة صيفي)، وخليك من الدلع.

حاول معي أن أصعد معه إلى جناح والده، غير أنني اعتذرت، وذهبت أجرجر خطواتي ويدي تحسحس على حنكي، وتتأكد أن أسناني وأضراسي ما زالت في أماكنها.

m.asudairy@asharqalawsat.com