الثلاثـاء 01 شـوال 1435 هـ 29 يوليو 2014 العدد 13027 الصفحة الرئيسية







 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
البحث عن القتيل
دانوب الأفكار
كيري وزير بلا رئيس
القوَّة
الحطام
مأساة الطريق الثامن
دفتر العقوبات يا جاكوب!
لا سقف إلا السماء
كان مؤسفا
قرية في الأمازون
إبحث في مقالات الكتاب
 
«ميادة ابنة العراق»

«الشر لا يمكن أن يضحك» تقول ميادة في نفسها فيما يدفعها رجلان متجهِّمان إلى غرفة «المحقق». كل ما حولها مرسوم، بطريقة تلقائية، لكي تنهار قبل الوصول إلى مكتبه، حيث سوف يبلغها التهمة الموجهة إليها: الخيانة! إنها التهمة الأكثر سهولة ورواجا. فلا المتَّهم يستطيع إثبات براءته ولا الضابط يستطيع إثبات الإدانة. لذلك، ينتهي الأمر عادة بالتراضي. بعد بضعة أيام من الذل والتعذيب، يطلب «المتهم» ورقة بيضاء يوقع عليها، ثم يعيدها إلى المحقق كي يملأها بالتفاصيل والاعترافات.

في مبنى التحقيق، المعروف بالبلديات، ترى ميادة في الأروقة رجالا محطَّمين، وجوههم مليئة باللكمات والكدمات والدم الأسود متجمد على شفاههم. تحاول الإشاحة عبثا. الجثث الحية بين الأقدام والأنين يخرج من النوافذ والسقوف. والمحقق في مكتبه، في الانتظار.

تجمع ميادة ما بقي لها من قوى لتقول له، إنها ابنة سلوى الحصري وحفيدة رائد القومية العربية ساطع الحصري، أحد رجالات التاريخ في العراق. ينفع ذلك في أن يسمح لها الضابط بالاتصال بمنزلها لكي تبلغ ابنتيها باعتقالها. ومن البلديات تُنقل حفيدة ساطع الحصري إلى الزنزانة رقم 52. وهي مُعدّة لثماني سيدات، لكن حشرت فيها 18 امرأة، بتهمة الخيانة.

«ميادة ابنة العراق» (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر) ملحمة من ملاحم السجون العربية، الفارق الوحيد بينها وبين غيرها، أنها وجدت من يكتبها. وعلى طريقة التحذيرات التي تسبق بعض البرامج الوثائقية، فإن هذا الكتاب ليس لضعاف القلوب. ولست أدري لمن هو. ولا أنا أعرف ما النفع من نشر هذه الشهادات في العالم العربي. لن تؤدّي إلى شيء سوى زيادة الجلاد وحشية والضحيّة عذابا ويأسا.

وأنا أقرأ «ميادة ابنة العراق» لم أكن أفكر في النظام الذي يزرع الجثث الحيّة في الممرات. ولا في مدير المخابرات. بل في الجلادين الصغار الذين يحوّلون حياة مواطنيهم إلى جحيم ثم يذهبون إلى النوم. يجب أن نفكر في حارس الزنزانة 52 الذي له وجه الشر وقلب الشيطان. هؤلاء أناس من المجتمع الذي أنت منه. يمضون حياتهم في إنزال العقاب الوحشي بالأبرياء ثم يمضون بلا عقاب.

هل تريد أن تعرف من هو أسوأ من الجلاد الكبير والجلاد الصغير؟ إنهم جماعة «المثقّفين» الذين عملوا في خدمتهم. شهود الزور الذين مجّدوا الجريمة السياسية وجعلوها نموذج العدالة. الذي ساق حفيدة ساطع الحصري إلى الجحيم 52، لم يكن الحكم بل المجتمع برمّته، صامتا أو شريكا.

> > >

التعليــقــــات
م. محمد علي السيد، «الولايات المتحدة الامريكية»، 28/07/2014
أدعوكم لمشاهدة فيلم البرىء للراحلين أحمد زكي تمثيلا وعاطف الطيف إخراجا تأليف الكاتب الكبير وحيد حامد أطال الله
في عمره، ستجد في هذا الفيلم بعض الإجابات عن هؤلاء السجانين وجسد الممثل محمود عبد العزيز شخصية قائد المعسكر
الشرس المنفذ للتعليمات وفي حياته الخاصة هو أب حنون يجذب الأطفال بأبوته، من صنع هذه التركيبة النفسية والعقلية
داخل جسد واحد؟ وكيف تم ذلك؟ نحتاج إلى مثقفينا ومعلمينا وأستاذة الطب النفسي لعلهم يجدوا بعض الإجابات.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال   علــق على هذا الموضوع
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام