الجمعـة 07 محـرم 1436 هـ 31 اكتوبر 2014 العدد 13121 الصفحة الرئيسية







 
هاشم صالح
مقالات سابقة للكاتب    
المنتجع الفرنسي وقراءات شتى
ألمانيا من لوثر إلى ميركل
من الإصلاح الديني إلى التنوير الفلسفي
بحثا عن غازي القصيبي!
مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» وتنوير العقول
أركون في الدار البيضاء
11 سبتمبر لم يحصل بعد!
ديغول والشخصيات الاستثنائية!
ماسينيون في المرآة
هل أنت طوباوي ومجنون؟!
إبحث في مقالات الكتاب
 
شكرا تونس!

يبدو أن الكوابيس ابتدأت تنزاح عن صدورنا الواحد بعد الآخر. ما هذه المفاجآت السعيدة؟ هل نستحقها يا ترى؟ فها هي تونس تسلم قيادها أيضا للمتنورين. ها هو الإسلام الوسطي المستنير يتغلب على الإسلام الإخواني المتخلف المضاد لحركة العصر والتاريخ. ماذا تريدون أكثر من ذلك ليفهَم كلامي جيدا: نعم للإسلام وألف نعم، ولكن مستضيئا بنور العلم ووهج الفلسفة. نعم للإسلام متصالحا مع نفسه ومع العصر. لا نستطيع أن نناطح العصر إلى ما لا نهاية. لا نستطيع أن نتحدى كل الأمم المتحضرة والشعوب. لقد أصبحنا نشازا على خارطة التاريخ. لقد أصبحنا مشكلة العالم كله! ولكن، ها هي تونس تصحح المسار. فهل تبخر الوهم الأصولي الجبار يا ترى؟ يبدو ذلك. على الأقل، في بلاد مثقفة ومهذبة وحضارية كتونس. ولكنه تبخر أيضا في مصر كبرى الدول العربية وأعرقها حضارة. وسوف يتبخر في ليبيا وفي كل أصقاع العالم العربي المترامي الأطراف. قلنا لكم بأنه لا يمكن تجاوز الأصولية إلا بالأصولية. وهذا هو فحوى كتابي عن «الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ». لا يمكن تجاوز الأصولية و«جهلها المقدس»، المسيطر ليس فقط على جماهير الشعب وإنما أيضا على قسم كبير من المثقفين إلا بعد تركها تحكم وترتكب الأخطاء الفاحشة وتصل بمستقبل البلاد إلى حافة الهاوية. هذه هي أفضل طريقة لتجاوزها. أما القمع والقتل والتعذيب، فلا يزيدها إلا ألقا وشعبية وضخامة. انقلوها من المعارضة إلى السلطة تقتلوها. شكرا لذكاء العقل في التاريخ! فهكذا انكشف عقمها الفكري وخواؤها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والسياحي.. ربما كانت حلولها تناسب القرن الحادي عشر، أما القرن الحادي والعشرين؟ لقد انكشفت ضحالة مشاريعهم السياسية منذ أن حاولوا السطو على انتفاضات الربيع العربي في غفلة من الزمن. لكن، يخطئ من يظن أن الإسلام السياسي قد انتهى أو قال كلمته الأخيرة. فسوف يظل قويا وسيفه مسلطا فوق رؤوسنا ما دام هناك شعب أمي بنسبة أربعين أو خمسين في المائة، وما دام هناك جوع وفقر وحاجة إلى الخلاص بأي شكل من الأشكال. فالمشروع الأصولي المتطرف يقدم على الأقل وهم الخلاص الأخروي إذا تعذر الخلاص الدنيوي. ما دامت هناك مدارس وجامعات وفضائيات تدرس الدين بطريقة لا تليق حتى بالقرون الوسطى المظلمات فسوف يظل المشروع الأصولي ناميا، مترعرعا. كل هذا قلناه مرارا وتكرارا منذ سنوات وسنوات على صفحات هذه الجريدة بالذات. بقي أن نقول بأن المعركة الفاصلة لم تحسم بعد. وهي فكرية بالدرجة الأولى. لذلك، أرحب كل الترحيب باندلاع المعركة الفكرية في العالم العربي على مصراعيها. فلا يمكن تحاشيها بعد أن وصلت الحرائق الداعشية وغير الداعشية إلى أبواب البيت. نعم إن معركة الأنوار العربية اندلعت ولن تنتهي عما قريب..

هكذا، نلاحظ أن الأنظمة الارتدادية النكوصية التي سطت على الربيع العربي تنحسر الواحد بعد الآخر كما ذكرنا. بقي أن يسقط «العثمانيون الجدد»، زعماء المشروع الإخواني في المنطقة. لا مكانة بعد اليوم للمفهوم الارتكاسي للإسلام. إما أن ينجح مشروع «إسلام الأنوار»، وإما أن يظل مسلطا على رقابنا مشروع «إسلام الإخوان»: أي إسلام عصر الانحطاط والظلمات. وهو مفهوم يرسخ الطائفية والمذهبية، بل يعتبرهما قانونا أبديا لا فكاك منه. فإذا ما ولدت في «المنطقة الصح»، نجوت. وإذا ما ولدت في «المنطقة الخطأ»، حقت عليك اللعنة إلى أبد الآبدين حتى ولو كنت من أفضل الناس سلوكا. إنك محكوم بشيء يتجاوزك. لماذا لم تولد في المكان الصحيح؟ ويل لك إذا لم تولد في أحضان «الفرقة الناجية»، كما كان يقول الكاثوليكي للبروتستانتي قبل انتصار الحداثة! وهنا، تكمن إحدى السمات الأساسية للمجتمعات القروسطية. إنها تحاسبك على شيء لا حيلة لك به. وهي سمة تنطبق على مجتمعات إسلامية، ولكن مع فروقات مهمة أحيانا لحسن الحظ. فهناك مجتمعات أكثر تسامحا وانفتاحا على ما سواها. ولكن في كل الأحوال، هناك يقينيات إطلاقية مشتركة جبارة لم تُفكك بعد. هل من داع للقول بأن مستقبل المنطقة يتوقف على حسم هذه المسألة الشائكة؟ في حياتي كلها، لم أشك في ذلك. منذ ثلاثين سنة وأنا أعرف أننا سائرون نحو هذه النقطة، أننا سنصل إليها بكل تأكيد. كل كتاباتي وترجماتي ما كانت إلا تحضيرا لهذه اللحظة، إرهاصا بها، أو استباقا عليها. أنا آخر المستغربين لما يحصل حاليا. «داعش» لم تفاجئني على الإطلاق. ولكن، فاجأتني خطوة تونس! فمن كثرة المصائب والانتكاسات التي انهالت على رؤوسنا في السنوات الأخيرة ما عدنا نتجرأ على تصور حصول أي حدث إيجابي.

أخيرا، بما أن تونس هي التي دشنت الربيع العربي ضد أنظمة الاستبداد البوليسية، فقد كان يترتب عليها أن تصحح المسار. وهذا ما فعلته بالأمس القريب. ولذلك، فإنها تُشكَر كل الشكر لأن تجربتها الثورية أصبحت بمثابة «البرادايم» الأعلى للعالم العربي. أقصد بالبرادايم هنا النموذج الأعلى. ولكن، يخطئ من يظن أن ذلك تم من تلقاء ذاته كتحصيل حاصل. فالواقع أنهم دفعوا ثمنه دما ودموعا، بل سقط البعض ضحايا كشكري بلعيد وآخرين. ولولا المقاومة الباسلة للمجتمع المدني وللمثقفين - وبالأخص المثقفات! - لما تراجع إخوان تونس عن مشروعهم في نسف المكتسبات الحضارية والنهضوية للبلاد. معظم الصحافيين والمحللين العرب ركزوا على هذه النقطة ومعهم الحق. نعم، لقد لعبت النخبة التونسية المستنيرة دورها في الدفاع عن الحريات المدنية في وجه الهجمة الظلامية الشرسة التي تريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وما كانت المعركة سهلة ولا مضمونة النتائج سلفا. لا شيء يُنجَز من دون دفع الثمن، من دون آلام وتضحيات. فهنيئا لهم إذن - ولنا - هذا الانتصار!

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال   علــق على هذا الموضوع
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام