الجمعـة 25 شـوال 1435 هـ 22 اغسطس 2014 العدد 13051 الصفحة الرئيسية







 
هاشم صالح
مقالات سابقة للكاتب    
هل أنت طوباوي ومجنون؟!
هلوسات جنونية!
على نفسها جنت براقش!
المغرب المستنير
فلسطين والانسداد التاريخي
العطلة الجميلة وقراءات الصيف
غارودي والإسلام الصباحي المشرق
الإعصار المذهبي يكتسح العرب!
جاك بيرك وإسلام التقدم
تكفيريون وديمقراطيون!
إبحث في مقالات الكتاب
 
ماسينيون في المرآة

قد يتساءل أحدهم: ما علاقتنا بماسينيون يا أخي؟ لقد مات منذ نصف قرن وأكل عليه الدهر وشرب. فلماذا تنبش القبور؟ في الواقع أنك تريد التهرب من مسؤولياتك وصرف الأنظار عن قضايا الساعة. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. لعبتك أصبحت مكشوفة. أجيب قائلا بأن الرد على هذه الاعتراضات سهل ومتوافر. فلا تعتقد أيها الضليل أنك ستحرجني أو تخيفني. حتى لو أقمت الدنيا وأقعدتها فلن أقول كلمة واحدة عن الأحداث الجارية. لن تمنعني من التحدث عن واحد من أكبر المعجبين بالحضارة العربية الإسلامية. ثم تلاه تلميذه جاك بيرك على نفس الخط وإن كان بمنهجية مختلفة. فماسينيون كان أكثر مثالية وتحليقا في سماء الروحانيات والديانات الإبراهيمية الثلاث. هذا في حين أن جاك بيرك كان عالم اجتماع بالدرجة الأولى وبالتالي أكثر واقعية ومحسوسية في مقاربته للقضايا العربية والإسلامية. باختصار شديد ماسينيون كان متدينا بعمق ويتذوق بشغف القيم الروحانية الصافية للإسلام. وبيرك كان حداثيا أقل تدينا من دون أن يكون ملحدا أبدا. على أي حال كلاهما كان أستاذا كبيرا في «الكوليج دو فرانس» أشهر مؤسسة علمية فرنسية وأعلى من السوربون حيث لا تجد إلا نخبة النخبة أو صفوة الصفوة. ثم إن المناسبة هي أنني وقعت على كتاب ممتع يتحدث عن ماسينيون من خلال شهادات كبار المفكرين العرب والأجانب. وأنت تعلم أنني أعيش في عالم الكتب صباحا ومساء، ليلا ونهارا فقط. وبحديثهم عنه يلقون إضاءات على تراثنا وثقافتنا وليس فقط على شخصيته وأعماله. وأنا شخصيا أومن بإقامة جسور ثقافية بيننا وبين فرنسا وعموم الغرب الأوروبي - الأميركي المثقف الرصين. أنا عميل للحداثة التنويرية كما تعلم أيها المتعجرف وأمارس عمالتي على المكشوف. ولا أعتقد أنني متأسف على ذلك في هذا العصر الذي أتحفنا بـ«داعش»! على العكس أشعر تماما بأنني أديت واجبي وقمت بما كان ينبغي القيام به وأعطيته الأولوية القصوى.

يقول الدكتور إبراهيم مدكور - رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة أيام زمان - أنه كان تلميذا لماسينيون يحضر دروسه في باريس قبل أن أولد أنا بزمن طويل. وهذا يعني أنني لا أزال شابا في مقتبل العمر بل ومرشحا للعشق والزواج قبل فوات الأوان. لا أعرف لماذا لا أهتم بحالي؟ وأنا صار عمري «كم سنة» كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي طعن في التسعين أمد الله في عمره. المهم يقول الدكتور مدكور عن ماسينيون بأنه كان مؤمنا روحانيا يذهب إلى أعماق الأشياء. لم يكن يكتفي بسطوح الأشياء ومظاهرها الخارجية الخادعة أحيانا وإنما كان يبحث عما هو مختبئ وراء الظواهر. كان يبحث عن سر الأشياء. ثم يردف إبراهيم مدكور قائلا: لقد عرفته عن كثب وأشهد أنه كان يحب الثقافة العربية حبا جما. والشيء الذي أدهشه وأعجبه في ثقافتنا هو الطابع الأخوي الصافي للإسلام. وبالطبع فهذا الإخاء يحصل أولا بين المسلمين أنفسهم. ولكنه لا يقتصر عليهم وإنما يشمل المؤمنين بالأديان السماوية الأخرى كالمسيحيين على وجه الخصوص. كم هو مهم التذكير بذلك في عصر «داعش»! أين أنت يا نينوى، يا «موصل» الحضارات؟ ماذا دهاك! لقد أدرك ماسينيون أن الحضارة الإسلامية هي أولا حضارة إنسانية. بمعنى أنها تحترم الإنسان وتدافع عن حقوقه. والمقصود بذلك الإنسان بصفته إنسانا في العموم وليس فقط الإنسان المسلم. وبالطبع فهي حضارة قائمة على الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع. وهو الذي يسند هذه الحضارة ويدعمها في الشدائد. إضافة إلى ذلك فإن ماسينيون كان يعتقد بأن حضارتنا هي حضارة قلب وروح وعاطفة جياشة. وهذا ما يلمحه الإنسان الأوروبي بمجرد أن تحط به الطائرة في أي بلد عربي أو مسلم. فالناس عاطفيون كرماء ينبضون بالمشاعر الجياشة والحنان. وذلك على عكس حضارة الغرب الباردة والصقيعية. هذا هو الإسلام الصحيح كما عرفه وأحبه أكبر مستشرق فرنسي في القرن العشرين. ما أبعدنا عن «داعش» وإجرام «داعش»! نحن هنا نتحدث عن إسلام العصر الذهبي والتفاعلات الفلسفية الكبرى.. نحن نتحدث عن الإسلام الروحاني والإنساني. باختصار شديد: نحن نتحدث عن الإسلام الحضاري.

أما أندريه مايكل فيرى أن ماسينيون كان رجل «الجغرافيا الروحية للشفاعات». وهي جغرافيا شاسعة واسعة تشمل الهند مع غاندي والحلاج في الإسلام وشارل دوفوكو في المسيحية وعشرات الآخرين. وقد خلف لنا بالإضافة إلى كتابه الضخم عن الحلاج مرجعا أساسيا بعنوان: «المعجم اللفظي للتصوف الإسلامي». كم أذهلك بيت الحلاج الشهير:

اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي!

كم انصهرت فيه وذبت يا لويس ماسينيون؟ وكم غطست في التراث العربي الإسلامي الكبير! فكرك يتجاوز الانغلاقات الطائفية ويعلو عليها.

أما لويس غارديه الذي أتحفنا يوما ما بكتاب مشترك مع محمد أركون فيقول عنه بأنه كان إنسانا مفعما بالمطلق، مطلق الله. كان جائعا للعدل لا يشبع، وعطشان لا يرتوي. وكان مؤمنا بالله كحقيقة وحب لا كعنف ورعب، وكان يقيم في بيته صلوات مشتركة ويعتقد بأن الروحانيات هي السلاح الأمضى من كل عنف. ونضيف: وربما أقوى من القنابل الذرية! باختصار كان من دعاة سياسة اللاعنف على طريقة غاندي. ومعلوم أنه سلاح فعال جدا على عكس ما يتوهم «الداعشيون» الذين لا يؤمنون إلا بالحرب والضرب، أو التفجيرات العمياء وحز الرقاب.. وكان يعتقد بأن جوهر الجوهر، أو لب اللباب، هو الحب. والله حق وعدل. كان يعتقد بأن الدين استقامة أخلاقية، ومعاملة إنسانية. إنه رحمة وشفقة. كل ما عدا ذلك تفاصيل.

> > >

التعليــقــــات
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «فرنسا ميتروبولتان»، 22/08/2014
مشكلة كثيرا من مسلمي عصرنا الحديث أنهم لايعلمون كثيرا عن تعاليم دينهم الحنيف ومن يدعي انه يعلم استقي علومه
من اشخاص ليس لهم علاقة بتعاليم ذلك الدين الذي أبهرالعالم اجمع لدرجة ان الكاتب الامريكي مايكل هارت الف كتاب
اسمه أعظم مائة في التاريخ اولهم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فالدين في المنظور القرآني ليس صلاة وصياماً في
جهة وجلافة وجفَاء في التعامل مع الناس في الجهة الأخرى بل هو وحدَة متكاملة يرتبط فيها الجانب الإيماني بالجانب
العملي في الحياة قال تعالى في سورة البقرة الأية 177 (ليْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ
الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
كه يلان محمد - العراق، «فرنسا ميتروبولتان»، 22/08/2014
يقول الفيلسوف بوديار أن نظام العولمة عامل مشجع على إنتاج العنف، عالم ملىء بالصور ويتسم بجنون إستهلاكى كذلك
الدين قد خرج فى ظل هذا الوضع من مجاله الروحانى وأصبح شعاراً بيد مجموعات معينة يوظفونه لتبرير اعتداءاتهم
وتهجير الاقليات، ما يجرى فى سوريا والعراق عبارة عن حرب قائمة على قدم وساق يتحمل الغرب تبعاتها ومسئوليتها
لأنه قد أهملت النزاعات في المنطقة وظلت متفرجا، فماذا عملت أمام غطرسة إسرائيل؟ ماذا قدمت لحل مشكلة سوريا التى
قد غدت بعض مدنها قاعدة أساسية للتطرف ولتفجر العنف وتكاد فى العالم العربى والأسلامى أن تختفى كل الأصوات
المعتدلة، ولا أحد يتكلم بصوت مرتفع ضد هذه المجموعات المتطرفة ويعلن بأنهم عالة على الإسلام لذلك فمن الضرورى
جدا إستعادة هؤلاء الأشخاص الذين كانوا نموذجا للتسامح وتمثلت مبادىء الدين في سلوكهم ولم يكن الدين مجرد شعارا
إستهلاكياً الآن يجب على المفكرين أن لا يقفوا صامتين إزاء ظاهرة داعش، الامر أكثر تعقيدا وعمقا من أن يعالج فقط
بالأدانة الشفوية يجب الحفر بحثا فى طبقاتنا الفكرية لنصل إلى الجذور التي تغذى مثل هذه الفئات، لماذا ضيعنا مكاسب من
خدموا الاتجاه التنويرى أمثال الشيخ محمد عبده والشيخ رمضان البوطي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال   علــق على هذا الموضوع
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام