الخميـس 27 صفـر 1434 هـ 10 يناير 2013 العدد 12462 الصفحة الرئيسية







 
خالد بن إبراهيم الرويتع
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
التأثيرات السياسية للإعلام الجديد

شهد عدد مستخدمي الإنترنت في العالم نموا كبيرا خلال عام 2012م.. فقد تضاعف عدد المستخدمين بنسبة 566% مقارنة بما كان عليه في ديسمبر (كانون الأول) 2010م، فبلغ 2.4 مليار مستخدم تقريبا في يونيو (حزيران) 2012م. وعلى المستوى العربي، تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 72 مليون مستخدم في عام 2012م، مقارنة بـ70 مليون مستخدم في العام السابق. وبحسب الإصدار الرابع من تقرير الإعلام الاجتماعي العربي، فقد وصل عدد مستخدمي «فيس بوك» في العالم العربي إلى 45.2 مليون مستخدم في يونيو 2012م بزيادة قدرها 50% عن عام 2011، ويأتي نحو 50% من مستخدمي «فيس بوك» من مصر ودول مجلس التعاون الخليجي. وتكشف دراسة أخرى أن السوق السعودية الأسرع نموا في مجال الإعلام الرقمي في عام 2012م، حيث بلغ عدد مستخدمي «فيس بوك» النشطين 6 ملايين؛ وبلغ عدد المستخدمين النشطين لـ«تويتر» 3 ملايين مستخدم يرسلون 50 مليون تغريدة في الشهر. كما شهدت المنطقة انغماس المواطن العربي، بشكل غير مسبوق، في النقاشات السياسية في وسائل الإعلام الجديدة.

وتشير دراسة حديثة أصدرها مركز «بيو» للأبحاث (2012) شملت 22 دولة منها أربع دول عربية (مصر وتونس والأردن ولبنان) إلى أن مناقشة القضايا السياسية تأتي على رأس اهتمامات 64.5% من مستخدمي الإعلام الاجتماعي في تلك الدول؛ مما يثير التساؤل عن التأثيرات السياسية للإعلام الجديد.

ورغم الاستخدام الخلاق للإعلام الرقمي من قبل الناشطين، فإنه لا يوجد اتفاق بين الباحثين بشأن طبيعة تأثيراته السياسية. فتذهب طائفة من الباحثين إلى القول إن الإعلام الجديد لا يستطيع إحداث تغيير سياسي سواء في الحكومات أو أنظمة الحكم، وهم يشككون في فاعلية الإعلام الاجتماعي بوصفه وسيلة فعالة للتغيير السياسي، لأنه لا يخلق أكثر من «روابط ضعيفة بين المستخدمين»؛ والروابط الضعيفة نادرا ما تقود إلى نشاط عالي المخاطر؛ ناهيك بأن التاريخ الحديث يُظهر أن الثورات سابقة للإعلام الاجتماعي. ففي أواخر ثمانينات القرن العشرين نجح التغير السياسي في أوروبا الشرقية رغم غياب الإعلام الاجتماعي؛ كما نجح التغيير السياسي في اليمن رغم انخفاض درجة انتشار الإنترنت.

ومع أن هذا الرأي لا يخلو من وجاهة، فإن الإعلام الاجتماعي يظل مهما بسبب حجم وسرعة التواصل الذي يسمح به بين الجماعات المختلفة، مما يجعله أداة فعالة للتعبئة والتنسيق بين الناشطين، فضلا عن قدرته على تمكين الأفراد والجماعات من تشكيل شبكات اجتماعية منظمة بشأن قضايا معينة، ومن التواصل عبر المنصات الاجتماعية المختلفة، فنحن نعيش اليوم في عالم عابر للمنصات الاجتماعية. كما حصل في «ثورة الياسمين» في تونس و«ثورة 25 يناير (كانون الثاني)» في مصر، وأحداث الفلبين (2001) التي أنهت الحياة السياسية للرئيس الفلبيني جوزيف استرادا، وأحداث إسبانيا (2004) التي أطاحت برئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أثنار.

بيد أن طائفة أخرى من الباحثين ممن يطلق عليهم «متفائلو التكنولوجيا» تحاجج بأن الإعلام الاجتماعي قادر على إحداث التغيير السياسي ومواجهة الرقابة الحكومية. ويعتقد أصحاب هذه الرؤية أن الثورة الخضراء في إيران التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في يونيو 2009م مثلت أول نقطة تحول تاريخية أثبتت قدرة التكنولوجيا الحديثة على مواجهة الرقابة الحكومية. فقد أدى «تويتر» - وفقا لهذه الرؤية - دورا رئيسا في احتجاجات إيران، مما حدا بالبعض إلى الترويج لمصطلح «ثورة (تويتر)» الذي سكه الباحث البيلاروسي في مجال تأثيرات التقنية الرقمية يفغيني مروزوف بعد ثورة مولدوفيا 2009م. وقد انعكست تلك الرؤية المتفائلة للتأثير السياسي للإعلام الجديد على مقاربة السياسة الخارجية الأميركية لقضية حرية الإنترنت؛ ففي 21 يناير 2010 أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون رفع حرية الإنترنت إلى مستوى محوري في صلب السياسة الخارجية للإدارة الأميركية. وقبل ذلك أعلنت الوزيرة كلينتون مبادرة «المجتمع المدني 2.0» التي تهدف إلى مساعدة المنظمات الشعبية في الخارج على استخدام وسائل الإعلام الجديدة.

إلا أنه يؤخذ على هذه الرؤية المتفائلة أنها لا تفسر لنا فشل الاحتجاجات في بعض الدول. فواقع الحال أنه ليس كل حركة سياسية استخدمت وسائل الإعلام الاجتماعية نجحت في تحقيق أهدافها. فرغم استخدام «الحركة الخضراء» بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في صيف 2009م الإعلام الاجتماعي، و«تويتر» على وجه الخصوص، بفاعلية في التعبئة والتنسيق للاحتجاجات على التلاعب في نتائج الانتخابات الرئاسية، فإنهم فشلوا في نهاية المطاف في إحداث التغيير المنشود بسبب تعطيل الحكومة للإنترنت، والقمع الشديد الذي واجهتهم به الحكومة. كما فشلت الاحتجاجات التي نظمها المعارضون في بيلاروسيا بواسطة البريد الإلكتروني في مارس (آذار) 2006م ضد قيام الرئيس ألكسندر لوكاشينكو بتزوير الانتخابات الرئاسية. وفي ليبيا القذافي ما كان للاحتجاجات أن تنجح في إحداث التغيير من دون تدخل الناتو.

وفي مستوى أدنى من التحليل، تذهب مجموعة من الباحثين في مجال الاتصال الرقمي السياسي إلى أن السنوات العشر الماضية شهدت تغيرا تحوليا في سمات الاتصال السياسي في المحيط السياسي المغلق، فقد أدت تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات إلى تحول جوهري في العلاقة بين الدولة والرأي العام. حيث أضعف الإعلام الرقمي قدرة الدولة في المجتمعات المغلقة سياسيا على تحديد أجندة الرأي العام، وتأطير تلك الأجندة في سياق معين. فقد شهد ميزان القوى بين الإعلام التقليدي الحكومي والإعلام الرقمي في مجال تحديد التفضيلات السياسية للمواطنين وتقديم المعلومات التفسيرية لتلك التفضيلات تغيرا ملحوظا لمصلحة الإعلام الرقمي.

فرغم لجوء كثير من الدول في المجتمعات المغلقة سياسيا إلى تقييد الإعلام الرقمي عبر استخدام أدوات قانونية وتقنية مقيدة، فإنه حرر الخطاب العام، وقلل تكلفة وصول المواطن للمعلومات السياسية وتبادلها مع الآخرين عبر خلق منصات مفتوحة مثل «تويتر» و«يوتيوب» للتعبير عن آرائه ومواقفه في قضايا الشأن العام، مما أضعف قدرة الدول على التحكم في تدفق المعلومات للرأي العام. الأمر الذي أدى بدوره إلى تآكل قدرة الدولة على صياغة الخطاب العام، خاصة بين «مواطني النت» الذين يطالبون بمزيد من الشفافية والمساءلة و«يختارون» المعلومات السياسية التي «يتعرضون» لها من الإنترنت ويتجنبون وسائل الإعلام التقليدية الحكومية، وتبدو أهمية هذا الواقع الجديد المتمثل في قدرة الاتصال الرقمي على التأثير في أجنده الرأي العام أكثر وضوحا في ضوء النمو الأسي في أعداد مستخدمي الإعلام الاجتماعي. لذا حينما شهدت الصين على سبيل المثال في أواخر عام 2002م وأوائل 2003م ظهور وانتشار فيروس الالتهاب الرئوي الحاد المعروف بـ«سارس» الذي حرصت الحكومة الصينية على إبقائه طي الكتمان عن الرأي العام الصيني خوفا من حدوث هلع شعبي، استطاع الإعلام الرقمي، رغم التعتيم الإعلامي الحكومي على المرض، أن يضعه على رأس أولويات المواطن الصيني، مما أجبر السلطات الصحية في الصين على الكشف عن ظهور المرض، والاعتراف بخطورة الوضع، ومحاسبة المقصرين من المسؤولين. كما شهدت الصين أيضا في عام 2009م تضاعف عدد الأحداث الأكثر زيارة 600% بين عامي 2009 - 2003م؛ فبلغ عدد الأحداث التي زارها أكثر من مليون زائر 12 حادثة في عام 2009م مقارنة بحادثتين فقط في عام 2003م.

وفي مصر استطاعت صفحة: «كلنا خالد سعيد» التي أسسها الناشط السياسي وائل غنيم على موقع «فيس بوك» في 10 يونيو 2010م وبلغ عدد أعضائها أكثر من 350.000 عضو أن تضع قضية الشاب خالد سعيد على الأجندة العامة، وأن تؤطرها في سياق انتهاك جهاز أمن الدولة حقوق الإنسان في مصر.

صفوة القول أنه لا يستطيع الإعلام الاجتماعي إحداث التغيير السياسي في العالم العربي إلا إذا توفرت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية الملائمة. فوسائل الإعلام الاجتماعية لديها قدرة كامنة على إحداث التغيير، إلا أن تحول تلك القدرة من حالة الكمون إلى حالة النشاط يرتبط بالسياق الذي تتحرك فيه.. بعبارة أخرى، تختلف قدرة الإعلام الاجتماعي على التغيير من بلد لآخر باختلاف ظروف كل بلد؛ فاستخدام أدوات الإعلام الاجتماعي لا يفضي بالضرورة إلى نتيجة واحدة في كل مكان، وإن كان يستخدم في كل الأحوال من قبل الناشطين للتعبئة والتوثيق ولتنسيق السلوك السياسي. كما أدى الإعلام الرقمي إلى خلق واقع جديد يتمثل في تمكين الرأي العام العربي، وفي مطالبة «مواطني النت» بمزيد من الشفافية والمساءلة، مما يستدعي من الحكومات العربية التكيف مع هذا الواقع الجديد. وأخيرا ضعفت قدرة الدولة في العالم العربي في التأثير على أجندة الرأي العام لمصلحة الإعلام الرقمي.

* أكاديمي سعودي متخصص في الإعلام السياسي بمعهد الدراسات الدبلوماسية في الرياض

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام