الاربعـاء 21 محـرم 1434 هـ 5 ديسمبر 2012 العدد 12426 الصفحة الرئيسية







 
عادل الطريفي
مقالات سابقة للكاتب    
«ثلاثية» الجماعة والحزب والدولة
من يحاسب «المقاومة»؟
بترايوس العربي.. بين الصيت والشهرة
الانتخابات الأميركية.. من عبد الناصر إلى الأسد
لماذا يسكت المراجع الشيعة عن ما يجري في سوريا؟
علل المعارضة في الخليج
أين تذهب أموال النفط العراقي؟
مرسي في مائة يوم
في رحيل ناشر.. دروس صحافية
رفسنجاني والسعودية.. وأمن الخليج!
إبحث في مقالات الكتاب
 
الثورة.. والبطيخ

هناك دعابة متداولة يرددها بعض أساتذة الاقتصاد لشرح النظم الاقتصادية المعاصرة تقول: حينما يكون لديك بقرتان، فإن الدولة تسمح لك بواحدة، وتعطي بقرتك الثانية لشخص آخر، وهذا هو النظام الاشتراكي. أما في النظام الشيوعي، فإن الدولة تأخذ منك البقرتين وتعطيك حليبا في المقابل، فيما يسمح لك النظام الرأسمالي بالاحتفاظ بإحدى البقرتين، وتبيع أنت الأخرى لتشتري ثورا.

ولكن ما عسانا أن نقول عن نظام تحكمه جماعة أصولية إسلامية تكون فيه الدولة رهينة لأهوائها؟ فهذا نظام يصادر منك البقرتين، الأولى لعدم موافقتها للشريعة - حسب فهمهم - والأخرى تَنفق، إما لأنك لا تمتلك ثمن علفها، أو لا تجد من يشتريها.

مناسبة هذا الحديث هي الظروف الصعبة التي تعاني منها الأنظمة العربية، التي وصلت فيها أحزاب إسلامية إلى السلطة نتيجة للانتفاضات الشعبية التي هزت المنطقة، والتي حدثت لأسباب عديدة لعل من أبرزها تدهور الأوضاع الاقتصادية في عدد من البلدان العربية نتيجة لتباطؤ الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأربع الماضية. في ولاية سليانة غرب تونس ثمة مظاهرات مستمرة، وبعض أعمال الشغب، تتعلق في الظاهر بمطالب إقالة الوالي، ولكنها في الحقيقة تخفي خلفها حالة احتقان سياسي شديدة، اضطر معها السيد حماد الجبالي، رئيس الحكومة، أن يدافع عن بقاء حكومته، بل واتهم اليسار بإشعال الاضطرابات. يقول الجبالي: «والي سليانة لن يرحل حتّى لو اضطررت إلى تقديم استقالتي»، ورغم ذلك فإن عددا من ممثلي حزبه في الولاية ذاتها، أوصوه علنا بإقالة الوالي. العارفون بالوضع التونسي يربطون أحداث الولاية وغيرها باستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، وعجز الحكومة حتى الآن عن استعادة عجلة الاقتصاد المتعثر في وقت تتضاعف فيه الصعوبات المعيشية، وتتزايد معه المطالب الفئوية بعد «الثورة».

في مصر الوضع لا يقل سوءا، فحكومة الرئيس محمد مرسي لا تزال غير قادرة على كسب ثقة القطاع الخاص، فضلا عن أنها لم تتمكن حتى الآن من إقرار موازنة واقعية لكبح جماح الإنفاق والتدهور الحاد في احتياطي مصر الخارجي، والذي لم يعد يكفي حتى لثلاثة أشهر، وهو الحد الأدنى لتغطية قيمة الواردات للدولة وفقا للمعايير الدولية. لا شك أن الحكومات الإسلامية «الثورية» التي وصلت إلى الحكم في كل من تونس ومصر غير مسؤولة عن الخسائر المادية الناتجة عن المرحلة الانتقالية، أو عن حجم الإنفاق الذي ورثته من الأنظمة السابقة، أو فواتير الحكومات الانتقالية المكلفة، ولكن في النهاية هي مسؤولة - على الأقل نظريا - عن تصحيح الأوضاع الاقتصادية، والخروج بتلك الدول من أزماتها الاقتصادية الحادة. إذا لم تقم بذلك، فإن الأوضاع الاقتصادية ستزداد صعوبة بمرور الوقت، وقد تنذر بقلاقل سياسية حادة في المستقبل القريب. للأسف، المراقب المحايد لأداء هذه الحكومات يرى أنها غير معنية حقيقة بتصحيح المسار الاقتصادي - على الأقل حتى الآن - بقدر حرصها على الاستحواذ على مفاصل السلطة، بل وتغيير قواعد اللعبة السياسية لصالحها، حتى وإن اضطرت للالتفاف على العملية الانتخابية التي جاءت بها إلى الحكم. ما جرى في مصر خلال الأسبوعين الماضيين، لا سيما الإعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي، يكاد يلمس أن جماعة الإخوان المسلمين مهمومة بتصفية خصومها، واستبعاد شركاء «الثورة» واحدا واحدا، حتى يتمكنوا من الانفراد بمراكز القرار في مصر لعقود قادمة. لأجل ذلك كان تحذير صندوق النقد الدولي لحكومة مرسي واضحا: «إن حدوث تغيير كبير في سياسة مصر الاقتصادية والسياسية، يمكن أن يؤدي إلى إعادة النظر في الاتفاق التمهيدي على خطة مساعدة هذا البلد التي تنص على منحه قرضا بقيمة 4.8 مليار دولار».

لعل من الضروري هنا تقديم ملاحظات أولية حول الوضع الاقتصادي الراهن لدول «الثورات العربية»، ففي تقرير حديث أصدره صندوق النقد الدولي (نوفمبر/ تشرين الثاني 2012)، فإن هذه الدول التي شهدت انتفاضات شعبية، أدت لسقوط حكوماتها وتبدل في أنظمتها السياسية، تعاني من أزمات اقتصادية قاتلة قد تعطل نموها لعقود، بل وقد تؤدي إلى أضرار مستدامة في بناها الاقتصادية.

قبل انتفاضات عام 2011 كان الناتج الإجمالي المحلي لستة من تلك الدول يتجاوز 4.7 في المائة، بينما انخفضت النسبة لأقل من الصفر في العام الماضي، ولم تتجاوز هذا العام واحدا أو اثنين في المائة، ولا يتوقع الصندوق أن يتجاوز النمو 3 في المائة العام المقبل حتى في أفضل السيناريوهات إيجابية. أمام هذا التحدي الاقتصادي الكبير ليس ثمة برامج معلنة لمواجهة هذه الأزمة، بل على العكس من ذلك، فقد امتلأت خطب المسؤولين وتصريحاتهم في هذه البلدان بوعود غير واقعية مثل زيادة الرواتب، وزيادة الاستثمار الأجنبي، واستحداث مخصصات دعم إضافية لا تملك هذه الحكومات ثمنها أصلا. يتجاوز العجز في الموازنة المصرية 11 مليار دولار، فيما الدين الخارجي يقارب 34 مليار دولار، والدين الداخلي لدى البنوك المحلية عند 197 مليار دولار، وذلك وفقا لآخر الأرقام التي أصدرتها وزارة المالية في مصر الشهر الماضي. أما تونس فتعاني من عجز يتجاوز 6 مليارات دولار، ولم تتمكن حتى الآن من التفاوض مع صندوق النقد الدولي إلا على 500 مليون دولار، فيما يقول البنك المركزي التونسي إنه بحاجة ماسة إلى 4 مليارات دولار. ماذا تصنع الحكومات حين تعاني من العجز في موازناتها؟ هناك خيارات عديدة ولكنها صعبة.

يقول آلان جرينسبان رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي السابق: «عجز الموازنة الكبير له تأثير غادر. حينما تتجاوز الحكومة في الإنفاق فإنه يجب عليها الاستدانة لتغطيته. إنها تستدين عبر بيع أوراق خزانة (treasury securities) مما يمتص بدوره رأس المال الذي كان بالإمكان استثماره في القطاع الخاص» (عصر الاضطراب 2007). هذا بالضبط ما لجأت إليه كل من مصر وتونس، ولكن المشكلة أن هذا الإجراء رغم أضراره الجانبية لا يكفي لحل المشكلة. مثلا حكومة الإسلاميين في تونس صرحت بأنها ستعتمد لأول مرة تمويل الموازنة العامة للدولة لعام 2013 عن طريق الصكوك الإسلامية، التي تتطابق مع قواعد المالية الإسلامية، ولكن باعتراف خبراء ماليين تونسيين فإن هذا الإجراء لا يكفي، فالدولة ستظل مضطرة للاستدانة من البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، والاعتماد على هبات مالية خارجية. يلخص مصطفى كمال - محافظ البنك المركزي التونسي السابق - أزمة بلاده بعيدا عن الخلاف الآيديولوجي مع حكومة النهضة بعاملين: «مشكلة في معالجة الاقتصاد الكلي، وتضخم في القطاع العام»، فيما يعزو تقرير صندوق النقد المشار إليه أزمة مصر الاقتصادية إلى: إنفاق مكلف على برامج الدعم الحكومي للغذاء والوقود. ارتفاع حاد في معدل التضخم. تراجع حاد في مداخيل السياحة وانخفاض الإنتاج. وعزوف الاستثمار الأجنبي. ناهيك عن البطالة التي تضاعفت خلال عامي «الثورة».

ولكن ماذا أعد الإسلاميون لمواجهة هذه التحديات؟

حتى الآن لم يكن هناك سوى الوعود، هم يراهنون على الهبات الخارجية، لا سيما من دول الخليج، وزيادة الاستثمار الأجنبي بافتراض أن المناخ الاستثماري سيتحسن. وهذه مجرد وعود، وحتى الهبات والقروض التي وعدوا بها لم يتحقق منها إلا الشيء القليل، لأن الأخيرة مرتبطة بشروط سياسية وضمانات لم تقدمها هذه الحكومات حتى الآن بشكل واضح. البعض يراهن على دعم ليبيا لتونس، أو مساعدة قطر لمصر، وحتى هذه لا تزال في مستويات متدنية، وبالكاد تكفي لسداد فواتير الدعم المكلفة. هذه الحكومات غير قادرة على مواجهة مواطنيها بالخيارات الصعبة، مثل رفع الدعم عن المحروقات أو تخفيفه، ولكن في نهاية المطاف سيجدون أنفسهم مضطرين لذلك. في الأردن استغل الإخوان خطط الحكومة التقشفية لإثارة الرأي العام، ولكن نظراءهم في مصر وتونس سيضطرون في القريب العاجل إلى ذات الإجراءات التقشفية. يتحدث الإسلاميون عن حلول شرعية للاقتصاد، ولكن من هم في السلطة يدركون أن التنظير في هذه الموضوعات لا يسمن ولا يغني من جوع. ربما عليهم أن ينظروا إلى تجارب مماثلة في أميركا اللاتينية، حيث واجهت تلك البلدان بداية الثمانينات، قلاقل سياسية إثر أزمة القروض المعروفة، واضطرت بعض تلك البلدان - مثل البرازيل - إلى التخلي عن آيديولوجيتها اليسارية لصالح اقتصاد السوق، وقامت برفع تدريجي لبعض برامج الدعم، وإعادة هيكلة الاقتصاد. صحيح أن ذلك تسبب في سخط اجتماعي ومعاناة كبيرة، إلا أنها بعد عقد من الزمن خرجت من هوّة الفقر، وتحولت إلى اقتصاديات كبرى منتجة. شعار «العدالة الاجتماعية» الذي استعاره الإسلاميون من قاموس اليسار، هو شعار مخادع ومضلل، وعلى الإسلاميين أن يدركوا أن الآيديولوجيا وحدها لا تكفي لإطعام الأفواه وملء البطون الجائعة. عشية الثورة في إيران، جادل آية الله الخميني قائلا إن ثورة الشعب الإيراني قامت من أجل الإسلام، وليس لـ«تحديد أسعار البطيخ»، ولكن خلال عقد من حكم إسلاميي إيران، انخفض متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي من 2049 دولار قبيل الثورة، إلى 1640 دولار عند وفاة الخميني، أي أن إيران أصبحت أكثر فقرا مما كانت عليه قبل الثورة.

الثورات لا تقوم من أجل البطيخ، أو البقر، ولكن الدول لا تحيا على الشعارات الآيديولوجية وحدها.

> > >

التعليــقــــات
ابوسداح، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/12/2012
يانس خلوا الخيار للشعب انت ليش تصايحون والشعب ليس ما صوت على الدستور
ابراهيم علي، «السويد»، 05/12/2012
الثورة.. والبطيخ.أنا أستغرب علي عنترية رجال الدين الذين خرجوا بفضل شباب مصر من سجون مبارك؛كان عليهم ان
يتركوا قيادة مصر لشباب الثورة الذين اشعلوا شمعة الأمل في نفوس رجال الدين؛وفي مقدمتهم الإخوان.أين هم الذين كانوا
في مقدمة الثورة؟وكم قتل من شباب مصر اثناء الثورة؟وكم قتل من الأحزاب السياسية؟علي الاخوان ان يتركوا قيادة مصر
لشاب لا ينتمي الي أية حزب؛لا يسار ولا يمين. مصر وبس.الذين ينتمون الي الأحزاب السياسية يقدمون مصالح حزبهم
علي مصالح الوطن؛ومن هنا تبدأ المشكلة.
نهاد محمد يوسف، «مصر»، 05/12/2012
كلما تكلم الليبراليون والمثقفون عن الكوارث
الوارده فى مشروع الدستور الذى يدبرونه
لمصر يصيح أنصار مرسى بأن نحتكم
لرأى الشعب دون أن يخبرنا أحد كيف
سيستطيع الشعب قراءة وفهم الدستور فى
أقل من أسبوعين علما بأن 40 % من هذا
الشعب أمى لا يقرأ ولا يكتب & 40 %
أخرى شبه متعلم حيث لم يحصل سوى على
شهاده متوسطه لا تمكنه حتى من كتابة
إسمه فكيف سيقرر هؤلاء إن كان الدستور
جيدا أم لا مع ملاحظة أن جيش الدعاه
وأئمة المساجد السلفيين لا يتوقفون عن
اللعب برؤوس بسطاء الشعب بأن هذا
الدستور سيدخلهم الجنه ... ربنا ينتقم منهم

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام