السبـت 02 شـوال 1423 هـ 7 ديسمبر 2002 العدد 8775 الصفحة الرئيسية







 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
«الفتى» أو «صاحبنا» (1) ثلاثية الحي اللاتيني

اعدت في الايام الماضية قراءة مجموعة من الكتب، او السِير الذاتية التي اثارت حماساً وجدلاً ادبيين في الاربعينات والخمسينات والستينات: توفيق الحكيم في «عصفور من الشرق». «الايام» (3 اجزاء) لطه حسين. «مذكرات طالب بعثة» للناقد لويس عوض. «الحي اللاتيني» لسهيل ادريس. و«موسم الهجرة الى الشمال» للطيب صالح.

هذه السِير وضعها اصحابها، بأساليب مختلفة، عن «اصطدام» الاديب العربي المهاجر بالغرب وعاداته وتقاليده وحرياته. ولم اكن ابحث عن قاسم، او قواسم مشتركة، بين المؤلفين المسافرين، بل بالعكس، كنت ابحث عن نقاط الاختلاف وفجوات الاجيال وتناقض الرؤى، واختلاف الاساليب. ولا ادري في النهاية على ماذا عثرت والى ماذا انتهيت. كل ما في الامر انني كنت احاول ان اقارن بين نفسي وذاتي. كيف قرأت هذه الاعمال قبل ثلاثين عاماً وبأي احاسيس ومشاعر ومقاييس اقرأها اليوم. واين اختلف مع نفسي ومع عجبي الماضي. وماذا كان يبدو «جديداً» قبل ثلاثة عقود ولم يعد كذلك الآن؟ ما هو الموقع الذي اعطيناه لاولئك السادة في الكتب وفي الذاكرة الادبية وفي التأثير على اجيالهم وما تلاها.

نجد في المجموعة رجلين من الازهر يواجهان الحياة في باريس، واذ يكتبان التجربة ويصفان الانطباعات، يلاحقهما الاسلوب الازهري والغنى اللغوي. وطالما تذمر طه حسين، في كل ما كتب، من ذكريات مرق الفول في الازهر، وطالما تبرَّم ببعض الاساتذة والرفاق، لكن اللغة التي سيكتب بها حتى الاغماضة الكبرى، هي لغة منحوتة من غبار التراث وعبق الفصحى. ولن تبسَّط تجربة باريس و«السوربون» هذه اللغة، المناقضة تماماً لبساطة توفيق الحكيم الاقرب الى لغة «ثالثة» تعوم على ضفاف النيل او ضفاف السين، ما بين العامية والفصحى، ما بين الصحيح والشائع. واللغة الازهرية، ببلاغتها وتعابيرها، تلازم سهيل ادريس في «الحي اللاتيني»، فيما هو يحاول ان يذوب في باريس وعطرها والفنادق الصغيرة في المنطقة الجامعية. لن يتزوج توفيق الحكيم الفتاة التي احب، لأنه اكتشف انها تحب سواه، ولن يتزوج سهيل ادريس جانين التي هام بها وترك اهله من اجلها. ولكن طه حسين سوف يتخذ شريكة له، الفرنسية «التي رأى بعينيها». هنا، سوف تبهره اداب فرنسا، وسوف يكتشف عالماً اكثر يسراً وسهولة على «الفتى» الضرير، من الحياة على مرق الفول. وهنا يكتشف، للمرة الاولى، ان على الضرير ان يغطي عينيه بنظارتين سوداوين سميكتين، وهو المنظر الذي سيرافق صورته في ذاكرتنا على الدوام.

«الفتى»، كان يسمي نفسه. او «صاحبنا». و«الفتى» كان يسمي نفسه ايضاً توفيق الحكيم. او «صاحبنا» كذلك. وكذلك سيفعل سهيل ادريس وهو يستخدم صيغة ضمير الغائب. ذلك ان كتابة السيرة الذاتية لم تكن شائعة في تلك الايام بعد. واذا ما جازت فلا يجوز الحديث عن العلاقات النسائية وحياة باريس. ولذلك سمى توفيق الحكيم بطله «محسن» واخذ يتنقل به من الريف الباريسي الى جامعة «السوربون» في الحي اللاتيني، ثم الى «المونبارناس». ولا يدخل الحكيم في الكثير من التفاصيل والعناوين والاسماء، كما يفعل سهيل ادريس. فقد انتمى كل منهما خلال «المرحلة الباريسية» الى عصر ادبي مختلف: الاول عاش في عصر فرنسوا مورياك واندريه جيد والنزعة المحافظة، والثاني حل في باريس وشارع «الغاي لوساك» يوم كانت موجة الادب الوجودي في ذروتها. وفي هذا «الغاي لوساك» والمقاهي التي يفردها سهيل ادريس على صفحاته، عشت، شاباً، ردحاً من الوقت، انها باريس التي ذهبت اليها انا ايضاً ـ مع كثيرين سواي ـ بحثاً عن سراب التجربة الادبية.

إلى اللقاء

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام