الاثنيـن 09 جمـادى الاولـى 1430 هـ 4 مايو 2009 العدد 11115 الصفحة الرئيسية







 
مشعل السديري
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
لا تحكم على الإنسان من ملامحه

أكره ما أكره أن أكون ناصحا للآخرين، أو معلما لهم، لسبب بسيط، إذ إنني لو كنت ناصحا لنصحت نفسي أولا، ولو كنت معلما لعلمتها كيف تسير على الصراط المستقيم، بدلا من هذا الطريق (المبطنج) الذي أسير عليه وأنا أعرج.

ولكن هذا لا يمنع من أن أطرح عليكم بين الحين والآخر تجارب الآخرين.

وإليكم بدون (تزويق) جزءا من المحاضرة التي ألقاها عميد كلية الآداب بجامعة (تشانغ هينغ) في تايوان:

في صغري كنت أدرس ليلا وأعمل نهارا، أي أنني حرثت وغرست وحملت روث الحيوانات لإخصاب الأرض وحصدت المحاصيل.

كنت أركع في حقول الرز والوحل يغمر فخذي ولا شيء يحميني سوى القبعة والقميص والسروال القصير، وكان الوحل ينتثر على أنحاء جسدي رطبا دبقا ووسخا، وعندما يدخل عيني ويقع على شفتي كنت أقف وأبحث عن إبريق الشاي المليء بالماء النقي وأحاول غسله، فلا أستطيع التخلص منه إلا بعد صراع طويل.

كانت الشمس تلسع ظهري المقوس فأشعر كأنني قالب حلوى ساخن التصق بوعاء معدني، وكانت المياه المتبخرة من حقول الرز تهب على وجهي ومنخاري في ساعات العمل التي تبدأ من التاسعة صباحا حتى الخامسة عصرا، حيث تختفي كل نسمة هواء، فيسيل العرق كالجدول على جسدي، فأشعر كأن القمل يزحف علي، وعندما تقع نقطة عرق في عيني كانت تثير الدموع، لكنني لم أبك، إذ كنت أعلم أن البكاء سيطلق دموع الأسى على عائلتي الفقيرة، ولمنع العرق من الجريان داخل عيني كنت أبقي وجهي منخفضا ما أمكن.

وأحيانا كانت تظهر على جلدي بقع حمراء وتنزف ركبتاي، فعيدان القصب تجرح والحشرات والديدان في الماء تلسع، كما أن العلق الصغير يمتص الدم ويسبب التهابا.

وما أكثر ما تساءلت: لماذا يكون في هذا العالم أناس يجهلون معنى الكدح، وآخرون مثلي يكدحون منذ نعومة أظافرهم موسما بعد موسم وسنة بعد سنة؟!، لماذا يجلس بعضهم قرب المراوح وفي الغرف المكيفة، وأنا ألهث وأغرق بالوحل وأعرق تحت الشمس الحارقة؟!

وما أكثر ما حسدت الثور والحصان عندما أشاهدهما يقفان شامخين عندما يخدمان الإنسان.

وفي يوم من الأيام كان هو مفترق طريق بالنسبة لحياتي، حيث انتابتني الشفقة فجأة وتولاني احترام كبير لملايين المزارعين الفقراء الكادحين، وبدأ محور اهتمامي يتجاوز نفسي وعائلتي، فصممت على مضاعفة جهدي بالدراسة وكذلك بالعمل دون يأس وتذمر.

وتخرجت من المدرسة الثانوية بتفوق مما أهلني أن أحصل على منحة دراسية في الولايات المتحدة، مرتفعا فوق المصاعب الشخصية.

لقد علمني الزحف في الوحل: أن أعتبر النزف والعرق جزأين من حياتي، وألا أتردد خائفا أمام المصاعب والحواجز، وأهم من ذلك كله أنني تعلمت معنى القول: (من زرع حصد).

ولا أنسى بريق عين أمي الصامدة الصابرة وهي تقول لي: احكم على الرجل من حقله لا من ملامحه.

meshal_asudairy@hotmail.com

> > >

التعليــقــــات
Sarah A. Alassiri، «المملكة العربية السعودية»، 04/05/2009
صحيح... وهذا درس لا نتعلمه إلا بعد فوات الأوان... نظل نتعلم هذا الدرس طيلة حياتنا ونبحث عنه يوما بعد يوم وقد يلقنه لك من لم يتعلمه أبداً. تحياتي واحترامي لك.
ريـهـام زامـكـه، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
يسعد صباحك .. اعتقد أنه منتهى السذاجه الحكم على إنسان من ملامحه! فمثلاً إن فكرت أن احكم عليك من ملامحك سـ أقول إنك (إنسان مغرور ومتغطرس) وبالطبع كل من يعرف (مشعل السديري)
ويقرأ له سوف يخالفني الرأي تماماً!! لا يُحكم على المرء إلا من خلال تصرفاته ومواقفه وردود فعله... وأحيانا من كلماته أو مقالاته . دمت ودام قلمك.
محمد عبده الاسمري، «النرويج»، 04/05/2009
لا تنسى ان الحظ يلعب دوره في اغلب الاحيان فكثير من الناس اجتهدوا وتعبوا وكدحوا اكثر من الذي ذكرت ولكن ما لهم في الطيب نصيب
لجين الخطيب، «الولايات المتحدة الامريكية»، 04/05/2009
رائع دائما في جميع كتاباتك.. استاذي الكريم صحيح فعلا الانسان المفروض ما يحكم على اشخاص الا من خلال العشره والمواقف وليس الشكل لأنه أبدا ليس مقياسا لمعرفة شخصية الانسان.. وفعلا من زرع حصد.. وربي سبحانه ما يضيع تعب عباده أبدا..
عبدالله رحماني العلوي، «المملكة المغربية»، 04/05/2009
الاستاذ السديري هي مسالة قسمة ونصيب كما قال تعالى في كتابه العزيز ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة. ولم يجعل الكادح ليبقى كادحا طول حياته او فقيرا دون ان يعمل شيئا لتحسين اوضاعه. اما الحكم على الانسان من ملامحه فهذه مسالة لاغبار عليها فقد اثبتها علم النفس اللهم ان كنت تعني شيئا اخر غير الذي فهمناه وواضح فهذا كلام اخر.
فهد أحمد، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
موضوع في غاية الروعة أحسنت وزادك الله علماً والحلقك بالصالحين.
علي احمد العلي، «المملكة العربية السعودية»، 04/05/2009
اقدر لك كل الاحترام والتقدير اخ مشعل لكن تعودنا في بلدنا ان نسمع من ولد وبافمة ملقعة من ذهب هو من يحكي عن المصاعب التي تواجة الانسان وهو لا يعرف عنها سوى ما يسمعه فقط فلايوجد بلد يحكي فيه علية القوم عن الشقى والكدح والتعب اكثر من بلدي انا (نكتة الغني مضحكة دائما) لك الاحترام
عواطف علي (الكويت )، «الكويت»، 04/05/2009
احكم على الرجل من حقله لا من ملامحه، هذه مقولة والله تساوي الملايين، ولكن لا تنطبق كثيرا على الجيل الجديد حيث أصبح الشكل والمظهر والملامح هو أساس الحكم على الرجل وعلى المرأة أيضا.
صالح الغامدي، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
شكرا جزيلا استاذ مشعل على هذه القصة المؤثرةعن ذلك الفلاح الصيني الكادح المكافح المثابر وقد تأثرت كثيرا بهذه القصة لانها ذكرتني ببعض النماذج القليلة في مجتمعنا السالف اما المجتمع المخملي وغير المخملي الذي نعيشه هذه الايام فهم لا يحسنون ولا يدلون سبيل أولئك الكادحون المثابرون بل الكثير ممن يعمل يحاكي السلحفاة في مشيها ويتحركون مثل مخلوق الكوالا.
شروق الخالد، «المملكة العربية السعودية»، 04/05/2009
دائماً الله يهبنا الرزق ثم يراقبنا ان عملنا بجهد حصلنا على ما قدره لنا من خير وفير وان تقاعسنا عن العمل حرمنا من الوصول وقد نصل لكن دون أن نستشعر اللذة وهذا ما يجعلني أبتسم للمناهج الدراسية وكل الأشياء الناقصة بوطني يقيناً بأني سأحصد مجهودي الخاص. وحقلُك رائع جداً... كن اكيدا من هذا.
سامية عبدالجواد، «المملكة العربية السعودية»، 04/05/2009
أرفع القبعه لكل هؤلاء الذين اكتست لقمة العيش عندهم بالدم والعرق وهم من أتطلع دائما لأمثالهم كل ماأزعجتني منغصات الحياة التافهه وجعلتني أعتقد أنني أشقى الناس...
عمر العراقي، «السويد»، 04/05/2009
استاذي القدير! اسعدكم الله في الدنيا والاخره على المقالات الرائعة التي تكتبها. شكراً للشرق الاوسط لاختيار هذا الانسان المبدع الذي يتحفنا بمقالة رائعة كل يوم. أتمنى من الله ان يطيل عمرك لنتعلم منك المزيد.
نورا (السودان )، «السودان»، 04/05/2009
مقال جميل دوما كما عودتنا وكما قلت على لسان لمحاضر الحياة لاتكون من غير تعب
مخلص محمد، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
الاستاذ مشعل السديري تحية طيبة اخي مشعل النصيحة عمل مشروع وفي ذلك قال نبينا عليه السلام (الدين النصيحة) وقد جاء في الامثال قولهم (اشد الناس حاجة الى النصيحة اشدهم تأففا منها) وجاء عن المقفع قوله: خير الاعوان والإخوان اشدهم مبالغة في النصح.
خالد السيد عيطة، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
العزير مشعل السديري لا تحكم على الرجل من ملامحه ولكن من حقله ولكن إذا كان حقله هو الإعلام فلابد ان تحكم عليه من ملامحه، تعديل بسيط للمقولة الذهبية في مقالك الجميل.
Ahmad barbar، «المانيا»، 04/05/2009
وهل يعيد التاريخ رجلا بمثل هذه الهمة وتحدي الانواء ليعيش عزيزا كريما؟
محمد الشيخ - جده، «فرنسا»، 04/05/2009
شكرا يااستاذ مشعل على هذا المقال الظريف ولم اتوقع يا استاذي العزيز ان بداياتك كانت بهذه التضحيه لكن هنيئا لك هذا واتمنى ان يقرا شبابنا هذا المقال ليستفيدوا وفق الله ...
فهد المشيعلي، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
أستاذي السديري لك مني كل المحبة والتقدير. موضع رائع يعلمنا كيف أنه يجب على كل انسان أن يجتهد ليرتقي بنفسه وبمجتمعه لكن الا تعتقد أن المحسوبية والواسطة تضيع مجهود الانسان لشخص ربما لم يكن مجتهداً ومكافحاً وبذلك يضيع مجهود شخص يندب حظه لأنه لم يكن يعرف شخصا يمشي أموره.
ناصر بن عبدالعزيز، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
بعــد التحيـــه.. اكثر نصيحه استقيتها من تجاربي المعدوده .. هي التي أشرت لها (( لا تحكم على الشخص من شكله ..)).. وانما تعرف عليه واعرفها من افعاله... فالجوهر هو المحك الرئيسي و ليس المظهر..
فيصل الجنادي، «المملكة العربية السعودية»، 04/05/2009
حقيقه غائبه عن اعين الكثير ولا يراها الا من هم يعيشون في كدح وجلد... احترامي لك استاذي مشعل ولقلمك كتبت فأبدعت.
محمد الأحمدي، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
رائع يامشعل ... رائع .
مرام عبدالله، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/05/2009
لست كبيرة في السن.. لكنني مررت بمآسي (الحقيقة لا زلت) ولو خيرت في اي حياة اريد لما اخترت سوى حياتي... لقد تعلمت منها ما لا تستطيع افضل المدارس ان تعلمنيه.
محمد العدوى، «مصر»، 04/05/2009
استاذ مشعل وفقك الله انه حقا مقال اكثر من رائع وهذا الرجل الصينى لو كان مسلما لقلت فيه كما قال الرسول فى رجل: من اراد ان ينظر الى رجل من اهل الجنة فلينظر الى هذا الرجل. نعم هذا هو الكفاح الذى يجمع بين العمل وتحصيل العلم لتكون النهاية ثمرة طيبة. دمت لنا ودام مداد قلمك.
سارة منصوري، «الجزائر»، 04/05/2009
قولك حق فلن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر ولا يتسع الامر الا اذا ضاق..
عبد الرحما ن ابن محمد المالكي، «فرنسا ميتروبولتان»، 06/05/2009
استاذي الجليل مشعل والله موضوع اليوم ضربت به الاوتار الحساسة، فاليوم يا اخي مشعل يوم المظاهر فلا يهم لا الجنس ولا العرق ولا اللون ولا الديانة اهم شيء المظاهر التي طغت على اي شيء.
شهد الفيصل، «الولايات المتحدة الامريكية»، 08/05/2009
كلامك جدا جميل لكن للأسف نحن شعوب عربيه أدمغتنا مغسوله بالمظاهر والقيل والقال ورأي الناس بنا نعيش في فراغ الموضه والسيارات والمال بينما الغرب يفكرون في المستقبل الذي صنعوه بعرق جبينهم نرى هذا الكلام الرائع الذي تقوله ولكننا لانتجرأ على فعله أحييك من كل قلبي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام