الاثنيـن 09 شـوال 1433 هـ 27 اغسطس 2012 العدد 12326
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

«بيت شباب».. عاصمة صناعة الأجراس في الشرق الأوسط تعاني اندثار المهنة

سرها توارثته عائلة نفاع اللبنانية جيلا بعد جيل

جرس قيد الصنع داخل محترف نفاع في «بيت شباب» («الشرق الأوسط»)
بيروت: مازن مجوز
هو أداة تستخدم لإعلام الناس بالأفراح والأحزان ودوام المناسبات الدينية وفي حالات الخطر، وتناديهم للمشاركة فيها، فالجرس - أو الناقوس - يدل القادم من بعيد على القرية، ربما تطبيقا للمثل القائل «الضيعة (القرية) من دون جرس كالأعمى من دون عصا».

وفي «لغة» الأجراس، فإنه يؤدي أدوارا عدة، فمنها «دقة» طويلة إيذانا بالفرح، وأخرى متقطعة تعلم المحيط بـ«غدرات» الزمان، بينما بقيت «دقة» الدعوة إلى الصلاة محافظة على مكانتها المميزة..

وكما لكل رحلة حكاية، تشير المنحوتات الآشورية من القرن التاسع قبل الميلاد إلى أن أجراسا كانت تعلق في رقاب الخيول وفي ملابس بعض الكهنة.

ولكن في جبال لبنان، تعود حكاية صناعة الأجراس إلى عهد أحدث بكثير، إذ يقدر أنها أبصرت النور قبل 500 سنة. وتنفرد بلدة «بيت شباب» (في قضاء المتن الشمالي بمحافظة جبل لبنان) بصناعة الأجراس، وهي بلدة أطلق عليها الكاتب والمفكر الراحل أمين الريحاني لقب «ضيعة الضيعات»، ورأى فيها الشاعر والكاتب والسياسي الفرنسي ألفونس دو لامارتين «رمانة مقسومة إلى قسمين»، غير أن صناعة الأجراس شارفت اليوم على الاندثار بفعل الحروب وهجرة شباب البلدة، ومنافسة الأسواق الأوروبية، مما جعل مهمة إبقاء إرث عمره 500 سنة حيا، ملقاة على عاتق رجل واحد اسمه نفاع نفاع.

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال نفاع، (80 سنة)، الذي يرى في هذه الحرفة هواية أكثر منها مهنة، داخل محترفه: «من يدخل هذا المضمار عليه أن يقتنع بأنه عالم لا يدر ربحا كبيرا. هذه صناعة لا يفارقها التعب والقهر، وتتطلب صبرا ونفسا طويلين، لذا ينأى الكثير بأنفسهم عن تعلمها لصالح حرف أخرى أسهل وتدر ربحا أسرع وأكبر».

وأضاف أنه «حتى مطلع القرن العشرين، كان هناك عشرة حرفيين يصنعون الأجراس، هاجر بعضهم خلال الحرب العالمية الأولى إلى قرى بعيدة وإلى بلاد الاغتراب، بينما توفي آخرون بسبب المرض والمجاعة، وهكذا بقيت ثلاثة بيوت تمارس هذه الصناعة. ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، فبقي يمارسها بيتان فقط، هما بيت يوسف سليمان نفاع ومعه ولده جميل وسليمان، وبيت يوسف حبيب نفاع وولده نفاع. أما اليوم، فأنا الوحيد الذي بقي من هؤلاء جميعا، إضافة إلى أولادي الذين بدأوا يكتسبون أسرار المهنة لينقلوها من جيل إلى جيل».

منذ السبعينات، احترف «عميد» صانعي الأجراس هذه المهنة بعدما عمل مع والده في صبها وتركيبها، كاشفا عن أنه صب حتى الآن ما يقارب الـ700 جرس لمعظم الكنائس والأديرة اللبنانية والمشرقية، في لبنان والبلدان المجاورة كسوريا والأردن ومصر والعراق وفلسطين، فضلا عن تصريف كبير للإنتاج باتجاه أفريقيا وأميركا الجنوبية.

اقتناع صاحب الثمانين سنة بالربح القليل لا يزال يعزز شروط منافسة محترفة لمعامل كبرى في روسيا وفرنسا وإيطاليا، من زاوية اعتمادها الطريقة نفسها التي يعتمدها من حيث الهندسة والمواد المستخدمة.

وخلال الحوار مع نفاع، قال راويا: «صناعة الأجراس يختلف الأهالي بشأن تاريخ نشأتها، فبحسب رواياتهم، تعود هذه الصناعة تارة إلى مطلع العهد الصليبي عام 1120م. وطورا إلى عام 1700م. ويروى أن عالما روسيا جاء إلى لبنان بناء على دعوة رهبنة (مار إلياس) القريبة من بلدة بكفيا - القريبة من (بيت شباب)، وهناك صنع جرس كنيسة (مار عبدا) بمساعدة يوسف غبريل من (بيت شباب). ومن ثم راح الأخير يصنع بنفسه أجراسا أخرى، فأطلق عليه الأهالي تسمية (يوسف نفع).. وبات يعرف لاحقا بـ(نفاع)..».

وهكذا بدأت علاقة العائلة مع هذه المهنة وباتت تعتبرها «كنزا ثمينا» يجب المحافظة عليه وعلى أسراره. وهذه أسرار يتردد نفاع قليلا قبل الكشف عن بعضها، ومنها أن الجرس الذي يعتبره كائنا بحد ذاته، مكون من 77 في المائة من النحاس الأحمر و23 في المائة من القصدير، اللذين يجري تذويبهما في فرن على حرارة 1100 درجة لمدة 6 ساعات ثم يسكبان في القالب، الذي يتحول لاحقا بعد فترة تبريده وتجفيفه إلى جرس بعد تزويده بـ«الضرابة» و«القرمة».

وشرح نفاع أن صناعة الجرس «عملية حسابية دقيقة، إذ لا بد أن تكون قياسات (الضرابة) متجانسة مع وزن الجرس، الذي يمكن أن يتراوح بين 50 كلغ و800 كلغ، مع الإشارة إلى أن أغلب الأجراس المستخدمة حاليا تزن 60 كلغ».

هذا، ويصَبّ الجرس في قالب مصنوع من نوع من التربة يسمى «الحوارة البيضاء»، الذي يتحمل درجات حرارة عالية، وهذا النوع من التربة متوافر في البلدة وفي البلدات المجاورة. أما القالب فيتألف من شقين، داخلي وخارجي، ويحتاج بناؤه إلى نحو 40 يوما، وذلك تبعا للقياس والوزن، ويحتاج الجرس عموما إلى صيانة مرة كل 5 سنوات ليحافظ على رنينه المقبول.

نفاع قال لنا إن الفرن أيام والده وأجداده «كان يعد على الحطب، وما إن يخرج القالب من الفرن حتى يتعاون سبعة رجال على حمله، بعكس اليوم، إذ نستخدم رافعة صغيرة، مع أن طريقة وهندسة صناعة الأجراس ظلت هي نفسها منذ مئات السنين».

وفي ما يتعلق بالاستخدامات، فقديما كانت تنظم المباريات بين شباب القرية لـ«تربيع» الجرس (أي جعله يدق أربع دقات متتالية وهذه العملية تسمى الضربة)، واليوم أصبح هذا «التحدي» إلكترونيا بفعل كبسة زر، دون أن ينسحب هذا التطور على «دقة» الحزن.

واللافت أن فن تصنيع الأجراس حافظ على تقنياته الموروثة «ففي الماضي، كان يعتمد كثيرا على الزخرفة لتزيين الجرس، وكانت الرسوم تحفر على قطعة معدنية ثم تطبع على الجرس، أما اليوم فالطلب ينحصر غالبا على الأجراس البسيطة من دون أي زخرفة، باستثناء بعض الابتكارات الناتجة عن سعة مخيلة صانع الأجراس من وقت لآخر»، وفق كلام نفاع.

وفي الختام، كشف نفاع عن امتلاكه عددا من الأجراس القديمة، ينوي عرضها لاحقا في صالة خاصة داخل محترفه، وقال إنه ما زال حتى اليوم يدوّن اسمه واسما ولديه على الأجراس تخليدا لعلاقة العائلة بالمهنة، في ظل غياب الحماية المطلوبة لها من الدولة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام