الجمعـة 01 ربيـع الثانـى 1433 هـ 24 فبراير 2012 العدد 12141
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

شالة الأثرية في الرباط.. ما قبل التاريخ وشيء من الجغرافيا

كثيرون من زوار المنطقة يأتون لمشاهدة طائر اللقلق الأنيق

ما تبقى من صومعة المسجد المريني في شالة.. وقد بنى اللقلق عشه فوقها (تصوير: منير أمحيمدات)
الرباط: طلحة جبريل
كان الوقت عصرا. هذا المكان يأتيه الزوار، ومعظمهم أجانب، مع قلة من المغاربة، في العصر.

لماذا يختارون العصر؟ هذه مسألة لم نجد لها تفسيرا.

يطلق على هذه المنطقة الأثرية في العاصمة المغربية الرباط اسم «شالة»، وأحيانا تكتب «شالا». إنها منطقة أثرية تعد من أقدم المناطق التي عاش فيها إنسان على الإطلاق. هذا ما جاء في لوحة مثبتة عند المدخل.. تقول اللوحة: «تعتبر شالة من بين أهم المواقع الأثرية.. حيث اكتشفت بها آثار استقرار الإنسان خلال بداية التاريخ».

هي إذن منطقة ما قبل التاريخ.

السور الخارجي مثل أسوار الحصون الرومانية القديمة.. المدخل باب كبير يعلوه قوس، على غرار تلك الأبواب التي كانت تغلق على المدن القديمة، حيث يقرر الحاكم متى ينام الناس وفي أي وقت يستيقظون. باب ضخم من الخشب السميك. وهناك حصنان صغيران ووسطهما المدخل. السور الطيني شيد مثل أسوار المدن الرومانية كذلك.

تدخل إلى الموقع بعدما تؤدي عشرة دراهم، أي أقل قليلا من دولار أميركي. وبمجرد أن تدلف إلى الزقاق الضيق المتحدر من المدخل، الذي سيقودك نحو الآثار الرومانية والمنطقة المرينية - نسبة إلى دولة المرينيين - تشعر بأنك تتمشى وسط تاريخ عريق. أرضية الزقاق عبارة عن عتبات إسمنتية، لذلك ستجد نفسك مضطرا للهبوط متمهلا. كان هناك خليط من البشر في ذلك اليوم.. أميركيون وبريطانيون وفرنسيون وإسبان وثلاثة سياح عرب، وأسرة مغربية.

جميعهم يعبرون ركاما من الحجر. والأحجار تقول: في يوم من الأيام مر من هنا تاريخ مهم.. تاريخ «شالة».

المنطقة تقع على ربوة في جنوب الرباط، تحتها مجري نهر «أبو رقراق» الذي يصب في المحيط الأطلسي. ما زالت هناك بقايا معدات حربية أصبحت «أثرية»، ولكن لم يعد هناك جنود أو حوافر خيل.. هؤلاء طواهم الزمن.

ثمة أشجار وحدائق منبسطة وعيون مياه، وصوت خرير المياه يتداخل مع صوت طائر اللقلق، الضيف الدائم هنا. وهناك من يأتي خصيصا إلى موقع شالة الأثري ليشاهد هذا الطائر الجميل الذي يتناغم فيه البياض والسواد؛ إذ هو طائر من الطيور المهاجرة الأنيقة، لها أرجل طويلة، وريشه من اللونين الأبيض والأسود يسر العين. ومن خصائصه أنه يبني أعشاشه فوق الأشجار العالية والمباني الأثرية وأبراج الخطوط الكهربائية أو فوق المآذن. يقولون إنه طائر يجلب الحظ.

بعض الذين كانوا في «شالة» ذلك العصر، تركوا «التاريخ» وانهمكوا في «جغرافية» المكان، يستمعون إلى لقلقة اللقلق ويلتقطون له الصور، خاصة عندما يأتي طائرا.. فاردا جناحيه مقتربا من عشه، كأنه «سفينة فضاء» صغيرة. مشهد بديع.

قالت لنا جينيت رينو، وهي سيدة فرنسية متقاعدة جاءت إلى شالة مع ابنها المقيم في الدار البيضاء وزوجته المغربية، شارحة: «جئت خصيصا لأشاهد هذا الطائر البديع». ثم وجهت لنا السؤال: «وأنتم؟». أجبنا: «نحن جئنا لنكتب عنك وعنه». وخشيت ألا تفهم لذلك أضفت: «نحن صحافة».

هناك منطقتان في «شالة» لا علاقة بينهما، الأولى: آثار رومانية على شكل مدرّجات، هي أطلال معبد وساحة عامة وقاعة مجلس المدينة. هكذا تقول اللوحة التي كتب عليها تاريخ المنطقة. وتاريخ الآثار الرومانية يعود إلى عام 144 بعد الميلاد. أما الثانية، ففيها بقايا مسجد ومدافن وحمام، وتقول اللوحة إنها شيدت عام 1284م على يدي السلطان المريني أبي يعقوب يوسف، أحد ملوك الدولة المرينية، الذي شيد مسجدا ما تزال صومعته تصارع الزمن، ولا شيء فيها تغير سوى أن طائر اللقلق شيد عشه فوق مئذنته، ثم هناك «مدافن ملكية» دفن فيها هو وزوجته وكانت تسمى «أم العز».. لعلها وسيلة ليبقى الرجل في التاريخ عبر الحجر، وليس فقط بين دفات الكتب.

الحدائق في كل مكان، وفيها أشجار تعود إلى تاريخ طويل.

وتعيش بجوار آثار «شالة» بعض العائلات، يزرع أفرادها أراضي ضيقة المساحة تقع بين السور التاريخي وضفة نهر «أبو رقراق» الذي يفصل بين مدينتي الرباط وسلا. وبين الأطلال هناك أيضا يعيش بعضهم. يلتزمون الصمت كما هو شأن الصخور والأحجار. وأيضا الكثير من القطط. ولعل من المشاهدات اللافتة، أن بعض هذه القطط ما إن يدخل الزائر المنطقة الأثرية حتى تتقفى أثره. تسير خلفه؛ إذا مشى مشت، وإذا وقف توقفت.

هناك أيضا مسرح صغير، تنظم فيه سهرات خلال بعض المهرجانات التي تعرفها مدينة الرباط.

الجولة بين الأحجار والحديقة والأطلال لا تستغرق وقتا طويلا، لكن ثمة من يدلف نحو الأسوار الخلفية للموقع، ليتأمل مشهد ربوة مخضرة تمتد على مد البصر على جانب نهر «أبو رقراق».

كل الزوار يأتون قبل الغروب، وبعضهم يبقى هناك حتى لحظة سقوط الشمس، للتمتع بمنظر قرص الشمس وهو يغوص في النهر.

لا أحد يهتم بالآخرين. يتركون الفضول خارج أسوار منطقة شالة.

يتأمل بعض الزوار الغروب بعدما شبعوا تاريخا. يقولون كلاما هامسا جميلا. معظم الزوار مقلون في حديثهم. جمل متقطعة. ضحكاتهم رائقة. تعابير وجوههم تشي بالفرح. ثم يمدون البصر نحو الأفق البعيد.

منطقة شالة هي تاريخ وخضرة ولقلقة طيور اللقلق، وهي كذلك هؤلاء الزوار الصامتون في أغلب الأحيان، المبتسمون في بعض الأحيان، الجميلون في كل الأحيان.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام