الجمعـة 02 ذو الحجـة 1430 هـ 20 نوفمبر 2009 العدد 11315
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

التدفئة اللبنانية.. من موقد الحطب إلى «وجاق» الحديد و«الشومينيه»

بلدة راشيا الوادي في البقاع الغربي تعتبر عاصمة هذه الصناعة منذ نحو قرن من الزمن

تزايد استخدام «الشومينيه» في بيوت الميسورين بأشكالها المتنوعة («الشرق الأوسط»)
بيروت: مارون حداد
عندما يأفل فصل الصيف في القرى الجبلية والداخل اللبناني، وتتوقف نبضات الحياة والحركة، يطل فصل الخريف، «والتشارين» كما يسميها اللبنانيون، بصورتيه المعبرتين، تساقط أوراق الشجر الذابلة الصفراء أو المائلة إلى اللون الذهبي، وأصوات المناشير الكهربائية التي يتردد صداها في التلال والوديان مؤذنة بالاستعداد لـ«محاربة» البرد الوافد مع الثلوج والشتاء والريح الشمالية التي تنخر العظام، كما يقول سكان الجبال.

وما أن تتلاشى أصوات مناشير الحطب حتى يبدأ دخان المواقد والمدافئ يصول ويجول في أجواء القرى مذكرا بتحلق العائلات، صغارا وكبارا، حول النار لصد البرد الذي يتسلل إليهم عبر الجدران ومن ثقوب النوافذ والأبواب.

وإذا كانت وسائل التدفئة قد تطورت لتصبح جزءا من ديكور المنزل أو الفيلا أو القصر، فإن هذه الوسائل كانت في الزمن، الذي لم يغب عن البال بعد، جزءا من حياة اللبناني كوجبة الغداء أو إبريق الماء الجاهز دوما فوق المائدة.

وبالعودة لمدة عقود قليلة إلى الوراء نجد أن البيت اللبناني في القرى لم يكن يخلو من موقد معد يدويا من الطين (نوع من التراب يطلق عليه اسم الدلغان ممزوج بالتبن، وهذا النوع من الصناعة اليدوية تشتد قساوته كلما احتضن النار) كان يدس فيه الحطب اليابس ويتدفأ بناره كل أفراد العائلة المتربعين على جلود الغنم التي تبث الدفء كما يبثه الموقد. وكثيرا ما كان يستعمل الموقد لإنضاج «الطبخة» في طناجر النحاس المطلية من الخارج بالرماد، هذا فضلا عن شي البطاطا وفصوص الثوم، والكستناء، وإن تعذرت هذه الأخيرة تم استبدال بعض ثمار البلوط الحلوة بها.

وعندما كان يتعذر الحصول أو الوصول إلى كميات كافية من الحطب كان كثيرون يستنجدون ببقايا نواة حبات الزيتون بعد عصرها، التي يطلق عليها اسم «الجفت» الذي ما أن يواجه النار حتى ترتفع الألسنة لما تحويه هذه المادة من رواسب الزيت، وفي مرحلة لاحقة جرى تصنيع هذا «الجفت» من خلال حرقه وتعبئته في أكياس زنة كيلوغرام أو اثنين لاستخدامه في إشعال سخانات المياه التي تستخدم على الحطب، أو استخدامه للتدفئة في «مناقل» كانت تعد في الماضي من الطين أيضا، لكنها ما لبثت أن تم استبدال مناقل الحديد بها، وميزة المنقل أنه ينقل بين مختلف أجزاء المنزل، في حين أن الموقد كان يحتل صدارة الدار أو غرفة الجلوس أو الغرفة الشتوية.

وما لبث موقد الطين أن تم استبدل المدفأة أو الوجاق به، كما هو معروف في لبنان، وأصل الكلمة تركي، ومنه ما يعمل بالحطب، وكذلك ما يعمل بالمازوت. والوجاقات أحجام وأنواع. منها «سكب الرمل»، ومنها من الحديد «المزيبق» الذي لا يصدأ، وغالبا ما يتوسط الوجاق الدار بـ«داخونه» الذي يخترق السقف ليرتفع عند السطح مترا وما فوق، على أن «يطربش» بقسطل ثنائي الفتحة لسحب الدخان المتصاعد من الحطب أو المازوت ومنعه من الانتشار داخل المنزل.

ومع ارتفاع سعر المازوت في السنة قبل الأخيرة وصعوبة الاحتطاب، اضطر القرويون في المناطق النائية إلى «ابتكار» مواد تدفئة عجيبة غريبة تبدأ بالأحذية المهملة وتنتهي بالزيت المحروق، على ما في هذه المواد من تلوث وأذى.

ومع تزايد استخدام «الشومينيه» في بيوت الميسورين بأشكالها المتنوعة، وموادها المختلفة، من الحطب إلى الغاز إلى الكهرباء، حافظ القرويون على صناعة الوجاق واستخدامه في الداخل اللبناني والجبال، وخصوصا في القرى التي يغزوها الثلج والصقيع على امتداد عدة شهور في السنة.

وقد اعتبرت بلدة راشيا الوادي، في منطقة البقاع الغربي المحاذية للحدود السورية ـ اللبنانية، عاصمة هذه الصناعة منذ نحو قرن من الزمن، حيث بدأت على مستوى فردي وعلى شكل حرفة يدوية، حتى كان يطلق على الوجاق اسم العائلة التي تصنعه. ولم تكن العائلة الواحدة قادرة إلا على صنع بضعة وجاقات بسبب صعوبة التعامل مع مادة الحديد. وكانت وجاقات الحطب هي الطاغية أو السائدة في الزمن الغابر، لكن المازوت ما لبث أن بدأ ينافس الحطب في حال تعذر الحصول عليه، أو في حال عدم القدرة المادية على شرائه، والمفاضلة بين ثمنه وثمن المازوت، وتاليا ثمن الغاز بعد تصنيع مدافئ أو «صوبيات» تعمل على الغاز.

وفي الستينات من القرن الماضي بدأت ورش المدافئ اليدوية تتحول إلى مصانع توفر الكثير من الجهد اليدوي لتزيد من تكلفة التصنيع، ولا سيما بفعل الحاجة المتواصلة للتيار الكهربائي. ويقول أحد شيوخ هذه الصناعة في راشيا الوادي: «تضم البلدة اليوم نحو 10 مصانع للمدافئ أو الوجاقات أو الصوبيات، وكلها تسميات لمسمى واحد، وتنتج في الموسم الواحد بين ألف وألفي مدفأة، وأحيانا أكثر، وفقا لحاجة السوق المحلية والأسواق المجاورة».

ويضيف: «هناك نوعان من المدافئ، الشعبية منها واللوكس، فالمدفأة الشعبية يتراوح سعرها بين 100 و150 دولارا تبعا لحجمها وزوائدها، والمدفأة اللوكس عادة يوصون بتصنيعها وفق التصميم الداخلي في المنزل».

ويؤكد «شيخ المدافئ»: «إن المناطق الدرزية هي الأكثر اهتماما بهذه الصناعة لكون أبناء هذه الطائفة يقطنون الداخل والجبال وعلى مدار السنة تقريبا، ولذلك كانت تعرض هذه المدافئ بكثرة قبل موسم الشتاء في منطقتي الشوف وعالية وحاصبيا والبقاع الغربي، حيث الوجود الدرزي، ولكن ذلك لم يمنع أبناء الطوائف الأخرى، ولا سيما الموارنة منهم، من الاهتمام بهذه الصناعة وإن بنسبة أقل».

لكن أصحاب المصانع اللبنانية يشكون من جملة من المشكلات «تبدأ بضجيج الآلات والمعدات المستخدمة في التقطيع واللف والتصفيح والخراطة والتلحيم، وتنتهي بإغراق السوق المحلية بالمدافئ الواردة من الصين ومن الجارة سورية، مرورا بالرسوم العالمية المفروضة على الحديد المستورد، وانقطاع التيار الكهربائي، والاضطرار إلى شراء مولدات تزيد من تكلفة الإنتاج».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام