السبـت 28 شـوال 1433 هـ 15 سبتمبر 2012 العدد 12345
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

مطاعم مراكش.. بين الغالي والرخيص

المأكولات والمطاعم الشعبية تغري السائح ومعدته

إقبال لافت على المأكولات الشعبية في مراكش من قبل أهالي المدينة والسياح
المأكولات الشعبية في ساحة الفنا
مراكش: عبد الكبير الميناوي
مراكش مدينة سياحية.. هي عاصمة السياحة في المغرب. للسياحة متطلباتها: معالم أثرية وفنادق ومقاهٍ ومطاعم ووسائل نقل وترفيه، وخدمات تجعل السائح يحمل معه، إلى بلده، ذكريات طيبة، عن المدينة المغربية وناسها.

ثمة اعتقاد لدى كثير من السياح أن أفضل ما في مراكش، إضافة طبعا إلى طقسها الساحر وبناياتها الأثرية الغنية بمقوماتها الحضارية، هي خدمات الأكل التي تقترحها على زوارها، لذلك فإن أكثر ما يغري زوار المدينة الحمراء المطاعم، سواء كانت فاخرة أم شعبية.

لكل وجبة ثمنها، تبعا لطبيعة وموقع وتصنيف المطعم: أسعار المأكولات، التي تقترحها المطاعم الشعبية، تبقى في المتناول، على عكس المطاعم الفاخرة، التي هي إما تابعة للفنادق، أو مستقلة، تشترط أن يكون في جيب الزبون ما يكفي من مال لتغطية تكاليف الأكل والشرب.

من بين أشهر المطاعم الفاخرة، في مراكش «قصر سليمان» و«دار الزليج» و«دار موحى» و«الفاسية». أما عناوين المطاعم الشعبية فتتوزعها مختلف أزقة وساحات المدينة، بداية من مطاعم ساحة جامع الفنا، وصولا إلى محيط شارع جليز، حيث «سلسلة» مطاعم «بجكني» و«ماك عمر» و«عند الأمين».

تشترك المطاعم الشعبية في تقديم مختلف المأكولات المغربية الشهيرة، بداية من المشويات، وانتهاء بالطاجين والطنجية. وإذا كانت المطاعم الفاخرة تكتفي، من بين زوار مراكش، بالأغنياء والميسورين، فقط، فإن المطاعم الشعبية تفتح أبوابها أمام الفقراء والأغنياء، على حد سواء. بل إن المقيمين الأجانب وسياح المدينة صاروا يميلون أكثر إلى المطاعم الشعبية، خاصة بعد أن اقتنعوا بجودة خدماتها ورخص وجباتها، وسهر المسؤولين على مراقبتها، لذلك يرى البعض أن المطاعم الشعبية هي أكثر رحمة وإنسانية وعدالة ومساواة بين البشر من المطاعم الفاخرة.

تقترح مطاعم ساحة جامع الفنا مأكولاتها من العصر حتى ساعات الصباح الأولى. ليس لقائمة الطعام والمشويات سقف محدد يضبط طبيعة الوجبات: إنها سوق أكل تحتمل كل أصناف المأكولات المغربية. بعضها مألوف وبعضها غريب يثير دهشة السياح الذين يزورون الساحة لأول مرة. إنها توفر للزوار «الأكل العشوائي»، على رأي الشاعر سعد سرحان، حيث يمكن لمعدتك أن تمتلئ عن آخرها بثمن يتراوح بين عشرة دراهم وخمسين درهما. الأكلات متنوعة، وأرباب المطاعم يستعملون كل الوسائل لتحريك جيب السائح وإغراء معدته، ابتداء من ترتيب المأكولات، وانتهاء بدعوته، بابتسامة تم التعود على رسمها بتلقائية وروح دعابة تحبب الأكل، في حين تقترح لائحة الطعام والأسعار، مع أن الدعوات قد تكون محرجة، أحيانا.

تبدو الأثمان، التي ترفعها المطاعم الشعبية، في متناول جميع زوار الساحة. كل مطعم يحمل رقما ويرفع لوحة أسعار، تبرز اسم الأكلة وسعرها. بعض الأكلات وأسعارها تثير التفكه بين «قراء» قوائم الأكل، كأن نقرأ مثلا أن «المخ» بعشرة دراهم (دولار ونصف) و«الرأس الصغير» بثلاثين درهما (ثلاثة دولارات ونصف) و«الرأس الكبير» بأربعين درهما (خمسة دولارات).

في مراكش، السياح، على اختلاف طبقاتهم، سواء نزلوا في فنادق تتراوح أسعارها لليلة الواحدة والفرد الواحد بين 8 و8 آلاف يورو، تجدهم يضربون موعدا بساحة جامع الفنا لشرب كأس عصير بأربعة دراهم (نصف دولار)، أو التفرج على حلقات الحكي والغناء والملاكمة مجانا، وربما الجلوس إلى نفس طاولة الأكل.

تحتل «سلسلة» مطاعم «بجكني» زقاقا متفرعا عن شارع جليز، وهي تفتح أبوابها أمام زبائنها، على امتداد النهار وأكثر الليل، مقترحة على روادها سلطات ومشويات لذيذة، بأثمان «شعبية». والمثير في تسمية «بجكني» أنها تحيل على نحو عشرة مطاعم متراصة بزقاق «بن عائشة»، كما تحيل على محمد بجكني الذي كان يعمل، قبل نحو أربعة عقود، طباخا، قبل أن يفتح محلا خاصا به في بداية السبعينات. المحل الذي يحمل اسم «عند بجكني» صار عنوانا لزقاق كامل، تناسلت فيه المطاعم الشعبية، عبر تقنية الاستنساخ.

أخذ «ماك عمر» اسم صاحبه «بّا عمر»، الذي، قبل أن يستقر بالمطعم الحالي الموجود على بعد أقل من 400 متر عن مطعم «ماكدونالدز» بشارع جليز، اشتغل في محلين سابقين على مدار أكثر من عشرين عاما. من «النيل الأزرق» إلى «ويمبي»، وغيرها من المطاعم الشعبية، أسماء لا يكترث لها الزبائن كثيرا، ما دامت تسمية «ماك عمر» ظلت تلتصق بكل المحلات التي مر منها «با عمر». و«ماك عمر» اسم أطلقه بعض الزبائن، على المطعم الشعبي، على سبيل التفكه، فصار لقبا وشهرة للمطعم. لا وجه للمقارنة بين «ماك عمر» المغربي و«ماكدونالدز» الأميركي. وحدها الفكاهة تربط بين ما لا يمكن أن يقارن. فإذا كانت «ماكدونالدز» هو أحد أكبر وأشهر مطاعم الوجبات السريعة في العالم، وأبرز رموز الليبرالية الغربية، فإن مطعم «ماك عمر» ليس سوى محل صغير تبلغ مساحته خمسة أمتار مربعة.

وفي الوقت الذي يعلق فيه «ماكدونالدز» لوحات إلكترونية تعرف بالمأكولات وتحدد الأثمان، موزعة على الرواد هواءها «الإلكتروني»، فإن «ماك عمر» لا يعلق شيئا، حيث يعرف الزبائن أنهم سيأكلون ما شاءوا من الوجبات الشعبية، سواء تعلق الأمر بالطاجين أو الطنجية والكسكس، أو بالعدس والفاصوليا والبيصارة، من دون أن يتجاوز ثمن الوجبة سقف 20 درهما (دولاران ونصف).

وإذا كانت مطاعم «ماكدونالدز» تشتغل بحسّ تواصلي وحملات إشهارية ملونة، عبر الجرائد والمجلات أو في الإذاعة والتلفزيون، فإن «ماك عمر» لا يعلق ولو مجرد لافتة صغيرة تعرف به، كما أنه لم يوزع يوما ملصقات أو يشتري مساحات إعلانية تعرّف به، كما يفعل البعض هذه الأيام في شوارع المدينة، إعلانا عن فتح محلات متخصصة في «البيتزا» وغيرها من الوجبات السريعة.

وإذا كان الطعام الأساسي الذي تقترحه مطاعم «ماكدونالدز» هو «الهامبورغر» بكل أنواعه وألوانه، مرفقا ببطاطس مختلفة الأشكال، مع اقتراح وجبات إفطار ومشروبات غازية وطبيعية وشتى أنواع العصائر والقهوة والحلويات، فضلا عن المثلجات والسلطات، فإن «ماك عمر» متخصص في الطبخ المغربي «الشعبي»، بشتى أصنافه وأشكاله ومأكولاته، والتي غالبا ما تُرفق وجباته بكؤوس الشاي المنعنع. وإذا كان مستخدمو «ماكدونالدز» موحدين في لباسهم ومتأنقين، كما لو أنهم ذاهبون للمشاركة في الأولمبياد، فإن مستخدمي «ماك عمر» يكتفون ببدلات بيضاء ويعطونك الانطباع، وهم يبتسمون في وجهك أو يسألونك عن أحوال العائلة، بأنك نازل ضيفا عند أهلك لا في مطعم شعبي، يتطلب العمل وفق قاعدة العرض والطلب ومنطق البيع والشراء. وإذا كان من عادة زبناء «ماكدونالدز» أن يؤدوا مقدما ثمن ما يطلبونه من أكل وشرب، فإن «ماك عمر» يترك للزبون فرصة سدّ جوعه، أولا، قبل أداء ثمن ما أكل، بل يمكنه أن يؤجل الدفع إلى وقت لاحق.

في «ماكدونالدز» عليك أن تقف في طابور طويل لتطلب ما تشاء، قبل أن تبحث لك عن طاولة، وحين تنتهي من الأكل سيكون عليك أن تنظف الطاولة وأن تضع بقايا الأكل في مكان محدد لذلك. أما عند «ماك عمر» فيمكنك أن تختار طاولتك، من دون أن تجد نفسك مجبرا على تقمص دور عون خدمة. الزبون ملك عند «ماك عمر».

يعتبر الحاج مصطفى النكير من أشهر المتخصصين في المشاوي بمراكش، وهو يمتلك مطعمين يقدمان، إلى جانب المشاوي، مختلف أنواع المأكولات، بما فيها «الطنجية»، أحدهما يقع بزقاق «بجكني»، وثانيهما في «سوق أبلوح»، في عمق ساحة جامع الفنا. وكل ما يحتاجه الحاج في محله بجامع الفنا خرفان مشوية وميزان وسكين للتقطيع. أما في محله الثاني، في زقاق «بجكني»، فيقترح مأكولات مراكشية بالشوكة والسكين.

ودأب الحاج مصطفى، منذ سنوات طويلة، خاصة في محله بـ«سوق أبلوح»، على اقتراح مأكولات مغربية خالصة، يكون عليك أن تقبل عليها من دون مقدمات، «طنجية» أو وجبة شواء، أو كما يطلق عليها «المشوي»، وهي خرفان تطبخ داخل فرن يوجد داخل المحل. وهنا كل شيء يعتمد على الوزن «ربع كيلو» أو «نصف كيلو» أو أكثر، حسب رغبة الزبون وقدرته الشرائية. ثمن الكيلوغرام من لحم المشويات في حدود الـ150 درهما (18 دولارا أميركيا) ويبلغ سعر الكيلوغرام من وجبة «الطنجية» المراكشية 120 درهما (15 دولارا). اللحم المشوي له ثمنه أما ابتسامة ولطافة الحاج مصطفى النكير فيوزعها على زبائنه مجانا.

التعليــقــــات
نسرين، «فرنسا ميتروبولتان»، 17/09/2012
مقالات ممتعة يتحفنا بها الأستاذ الميناوي عن مدينة مراكش الرائعة بفضاءاتها الخضراء، وبناياتها ذات اللون الأحمر
الجذاب والمريح للعين، وبأهلها الطيبين المتيميزين بروح النكتة الراقية. إنك عبر هذه المقالات تقوم بعمل توثيقي
أنتروبولوجي تشكر عليه. نتمنى لك مزيدا من الإبداع
عبد الجليل مراكش، «المملكة المغربية»، 17/09/2012
شكرا للشرق الاوسط على هذا المقال الجميل حول مدينة مراكش الحمراء مقال لا يخلو من حس الفكاهة الهادف
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام