السبـت 27 جمـادى الثانى 1433 هـ 19 مايو 2012 العدد 12226
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

البرغل واللبن المجففان.. شوربة وفطائر

مؤونة الشتاء يبدأ تحضيرها في الصيف

دمشق: هشام عدرة
كما هو حال شعوب العالم فإن السوريين يتنافسون على تحضير الكثير من أنواع الحساء التي تقدم على موائد فصل الشتاء البارد لتبعث الدفء في جسم الإنسان ومنها شوربة العدس والأرز وغيرهما، ولكن وفي الكثير من المناطق السورية، وخصوصا الريفية منها، تتفنن نساؤها في تقديم شوربة لذيذة المذاق مكونة من اللبن والبرغل ويطلقون عليها «شوربة الكشك».

وقد يتبادر لذهن الكثيرين أن تحضير شوربة الكشك أمر بسيط، ولكن الواقع يغاير هذا الاعتقاد، فالعملية صعبة ومجهدة وتحتاج لوقت طويل - توضح سمر سلوم وهي سيدة منزل في العقد السادس من العمر وتعلمت تحضير الكشك من والدتها - والصعوبة هنا ليس في طهي الشوربة فهذا مقدور عليه (تبتسم سمر)، بل في تحضير المكون الأساسي لها وهي كرات وأصابع الكشك المجففة التي يتم العمل بها في فصل الصيف الحار وبمراحل متعددة تخضع لها المواد الداخلة في تركيب الكشك ليتم في ما بعد تعريضها لأشعة الشمس لأيام حتى تجف تماما وتخزن بشكل سليم لتستخدم في فصل الشتاء في تحضير الشوربة والفطائر.

إذا كيف يتم تحضير كرات وأصابع الكشك التي يطلق عليها البعض «معكرونة الكشك»، تجيب سمر شارحة: «هي طريقة متعبة وتحتاج لامرأة لديها الوقت الكافي للعمل في إعداد هذه الكرات»، كما لديها الخبرة من الأمهات والجدات وكذلك الصبر وطول البال، حيث تنطلق عملية التحضير في أشهر الصيف الحارة وتحديدا في شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) من خلال شراء اللبن الحامض قليلا (لبن الأغنام الدسم أو لبن البقر الأقل في نسبة الدسم، وهذا الأفضل للباحثين عن الحمية والريجيم ومن لديهم مشكلات صحية مثل ارتفاع نسبة السكر والكولسترول في الدم، ويمكن استخدام لبن الأغنام المسحوب دسمه وهو يؤدي الغرض المطلوب منه) كما يتم شراء البرغل الناعم (والمستخدم عادة في تحضير الكبة بأنواعها) ويجب هنا حساب المقادير بدقة حتى يكون الكشك الناتج متوازن القوام والمكونات، وبخاصة عند طهيه كشوربة - توضح سمر - حيث يتم استخدام 7 كيلوغرامات من اللبن لكل كيلوغرام واحد من البرغل أو مضاعفاتها حسب عدد أفراد الأسرة وحسب نسبة استهلاكهم للكشك في فصل الشتاء، وتبدأ بعد ذلك عملية التحضير التي تأخذ مراحل متعددة وهي على النحو التالي:

في البداية يتم مزج نصف كمية اللبن مع البرغل والملح الناعم بينما يتم تصفية النصف المتبقي من اللبن من خلال وضعه في كيس لمدة يومين حيث يخرج منه الماء تماما، بعد ذلك يضاف اللبن المصفى إلى مزيج البرغل واللبن ولتبدأ مرحلة جديدة وهي عملية الفرك الجيد للمزيج، ومن ثم طحن المزيج في آلة خاصة (نفس آلة طحن البرغل المخصص للكبة)، بعد ذلك يؤخذ الخليط المطحون واللزج بقوامه ويتم تقطيعه لكرات وأصابع بشكل فني متقن، ومن ثم توضع الكرات والأصابع في صينية معدنية أو من البلاستيك واسعة مسطحة دائرية أو مستطيلة مغطى سطحها بورق منشف، حيث يعمل الورق على تخليص الكرات مما يتبقى بها من ماء، وتنطلق في ما بعد المرحلة الأخيرة وهي وضع الصينية بما تحويه من كرات الكشك الطرية بعد تغطيتها بقماش رقيق جدا (شاش) لتحمي الكرات من الغبار والأتربة الموجودة في الهواء الخارجي، تحت أشعة الشمس الحارة في باحة المنزل أو الشرفة، وتقوم المرأة بالكشف عليها بشكل يومي لمراقبة تحولها لكرات جافة، حيث تحتاج لمدة ما بين 10 و15 يوما لتجف تماما، وذلك حسب شدة حرارة الشمس، بعد التجفيف ستقل أحجام الكرات والأصابع بالتأكيد، حيث يتم رفعها من الصينية وتخزينها، وتنصح سمر النساء بتخزين هذه الكرات التي قد لا تستخدم إلا بعد أشهر حتى يحل فصل الشتاء البارد في أوان زجاجية فهي الأفضل حيث تحقق لها كمادة غذائية ظروف التخزين الجيد والصحي لأن البعض يخزنها في أوان من البلاستيك أو في أكياس قماشية خام.

وكيف يتم استخدام هذه الكرات والأصابع الجافة التي قد لا يعجب البعض أشكالها وهي معروضة في المطبخ، بينما واقع الحال يقول إن من يتذوقها عندما تطهى لن ينسى مذاقها اللذيذ وطعمها الخاص، إن كان في الشوربة أو في الفطائر. تحضر شوربة الكشك - تشرح سمر - من خلال اختيار إحدى الطريقتين، إما بنقع الكرات والأصابع التي تكون صلبة شديدة القساوة بالماء لفترة من الوقت، ومن ثم خفقها في خلاط كهربائي أو طحنها وهي صلبة في آلة كبيرة كتلك التي تطحن حبات البن والعدس، وبعد ذلك يؤخذ الكشك الناعم المطحون الجاهز للطهي ويوضع جانبا حيث تقوم المرأة بخلط كمية مناسبة من البصل اليابس مع اللحم والزبد أو السمن الحيواني (البلدي) أو زيت نباتي ويضاف له الكشك الناعم، حيث يقلى الخليط لمدة 5 دقائق، بعد ذلك يضاف لها الماء الساخن ويغلى في وعاء واسع لمدة 10 دقائق مع التحريك المستمر حتى يتحول الخليط لمزيج متجانس وجاهز للسكب في أطباق أفراد الأسرة، وبجانب كل طبق قطع الخبز المحمصة التي يمكن إضافتها إلى طبق شوربة الكشك فتزيد من لذة المذاق، ويتناولها الشخص بالملعقة كما يمكنه تناول قطع الفجل أو البصل الأخضر واليابس مع طبق شوربة الكشك.

هناك نوع آخر من حساء الكشك، وهذه يتخصص بها المطبخ الدمشقي حيث تتبع نفس المراحل السابقة - تتابع سمر - ولكن يضاف إليها اليخنة (الملفوف)، ذلك الخضار الشتوي المعروف، حيث يتم تقطيع أوراق اليخنة إلى قطع ناعمة وتوضع مع البصل واللحمة، ويضاف الكشك الناعم لينتج لنا شوربة كشك بالملفوف.

وفطائر الكشك كيف تحضر؟ تضحك سمر معلقة: «هناك نساء كسولات يمتنعن عن إعدادها للجهد الكبير المطلوب منهن لتحضيرها وضرورة إرسالها إلى المخبز أو طهيها في فرن المنزل وهي عملية شاقة!.. ولكن من يتناولها لأول مرة لا بد له من تكرارها، فعلى الرغم وجود عشرات الأنواع من الفطائر في محلات تحضيرها بالأسواق، فإن لفطائر الكشك طعما آخر ومذاقا مختلفا عن الفطائر الأخرى، حيث لا توجد ضمن تشكيلة فطائر محلات الأسواق لخصوصيتها المنزلية وتكلفتها الكبيرة قياسا مع الفطائر الأخرى»، أما مراحل إعدادها فتكون على النحو التالي - تسهب سمر بالشرح - يؤخذ الكشك المطحون الناعم وينقع بالماء الساخن لمدة ربع الساعة، بعد ذلك يمزج مع زيت الزيتون والبصل اليابس المفروم والناعم، ويضاف أيضا قليل من الفليفلة الحمراء الناعمة المجففة، وهنا يرسل الخليط للفران ليكمل تحضير الفطائر بنفس طريقة تحضير فطائر الجبن والمحمرة واللحم وغيرها، أو تقوم المرأة بالتحضير في المنزل إذا كان لديها الوقت الكافي وطول البال، حيث يمزج الخليط مع عجين دقيق القمح ويوضع في صينية بعد طليها بقليل من الزيت حتى لا يلتصق المزيج بالمعدن، وتوضع الصينية في فرن المنزل لمدة 10 دقائق حتى يتحول وجه الفطائر إلى اللون الأحمر لتسحب من الفرن وتدهن أيضا بقليل من زيت الزيتون ولتصبح جاهزة للتناول، حيث تأخذ شكلا دائريا كبيرا بعكس الفطائر الأخرى، وكلما «تقمرت» في الفرن كان مذاقها ألذ وأشهى، بحسب سمر.

أخيرا يؤكد الكثير من الباحثين في مجال التراث المطبخي السوري أن تحويل البرغل واللبن إلى كشك تم منذ فترة بعيدة، وكان الهدف منه هو الاستفادة من اللبن وخصوصا لبن الأغنام لأطول فترة ممكنة، وبخاصة أنه يغيب في أشهر كثيرة من العام بسبب حمل النعاج، ولا يعود حتى تلد، وبالتالي يكون لبنها على شكل كشك ليطهى كحساء وليشكل وجبة دسمة لذيذة، وفي مراحل زمنية تالية اكتشف السوريون أنه بإمكانهم تحويل هذا الكشك الصلب إلى فطائر ويمكنهم تنويع حسائه.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام