السبـت 16 رمضـان 1433 هـ 4 اغسطس 2012 العدد 12303
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

«الجفاف» ينذر بأزمة لمنتجات الذرة وفول الصويا وتوقعات بارتفاع الأسعار

منسق مكتب «الفاو» في الخليج: يجب زيادة رقعة المساحة الزراعية المخصصة خارج الولايات المتحدة

يحتم الوضع عربيا أن تتم الاستفادة من البيئة الزراعية المتاحة لزراعة الذرة وغيرها بعدد من الدول العربية كالسودان ومصر («الشرق الأوسط»)
جدة: علي شراية
شهد القطاع الزراعي في دول منطقة الشرق الأوسط تطورا هاما خلال العقود الأربعة الماضية، التي ساهمت في توفير جزء من الاحتياجات الغذائية للسكان، وفي تنويع القاعدة الاقتصادية ومصادر الدخل، مما ساهم في الاقتصاديات الوطنية للبلدان الإقليمية بنحو 3 في المائة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب الخبراء تبلغ نسبة السكان الذين يعملون في النشاطات الاقتصادية ذات العلاقة بهذا القطاع نحو 19 في المائة.

وللزراعة بصفة عامة دور محوري في التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والأمني، ومع الأزمات الاقتصادية والغذائية العالمية التي واجهها العالم في السنوات الخمس الماضية، فإن الأمن الغذائي العالمي يواجه تحديات كبيرة أدت إلى ارتفاعات غير مسبوقة في تكاليف المعيشة.

وقال المهندس عبده بن قاسم الشريف العسيري منسق مكتب منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» شبه الإقليمي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية واليمن، وممثل المنظمة بالإمارات لـ«الشرق الأوسط»: «من المتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم من 7 إلى 9 مليارات نسمة عام 2050، كما أن التقدم الاقتصادي، لا سيما في البلدان ذات الاقتصاديات الصاعدة، ستنتج عنه زيادة الدخل للطبقات الفقيرة التي تنفق 50 في المائة من دخلها على توفير الغذاء».

وأضاف العسيري: «سيشهد الطلب العالمي على الغذاء زيادة كبيرة، ولمواجهة ذلك سيتطلب الأمر زيادة الإنتاج بنسبة 70 في المائة على الصعيد العالمي، وبنسبة 100 في المائة بالنسبة للبلدان النامية، ولكن في المقابل فإن الاستثمارات في القطاع الزراعي لا تأخذ المنحى نفسه».

ولفت إلى أن حصة الزراعة في المساعدات الإنمائية الرسمية تراجعت من 19 في المائة عام 1980 إلى 3 في المائة عام 2006. وتبلغ حاليا نحو 5 في المائة، ولا تخصص الدول النامية لهذا القطاع سوى نحو 5 في المائة من ميزانياتها الوطنية، كما يجري تحويل أكثر من 100 مليون طن من الحبوب لإنتاج الوقود الحيوي بفضل ما تقدمه البلدان المتقدمة من دعم مالي يبلغ نحو 13 مليار دولار.

وأوضح منسق مكتب منظمة الأغذية والزراعة «الفاو»: «أضف إلى كل ما تقدم آثار موجات الجفاف والفيضانات والأعاصير وغيرها، التي تتفاقم بسبب تغير المناخ والمضاربة في أسواق العقود الآجلة للمنتجات الزراعية؛ فالوضع الحالي للأمن الغذائي ينبئ بوقوع كارثة وشيكة، وما حدث من مجاعة في دول القرن الأفريقي خلال العام الماضي 2011 ما هو إلا مقدمة لتلك الكارثة».

أما على المستوى الإقليمي فإن دول منطقة الخليج تواجه عددا من التحديات التي لها أثر كبير على أوضاع الأمن الغذائي، ومن أهمها محدودية الموارد المائية والأراضي الصالحة للزراعة والمراعي، بالإضافة إلى عدد من التحديات المناخية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية والفنية والمؤسسية.

وخلال السنوات القليلة الماضية كان هناك عدد من التحديات الإقليمية والعالمية، مما كان له أيضا بعض الآثار السلبية على حدوث تباطؤ في وتيرة تنمية القطاع الزراعي والأمن الغذائي، ومن أهمها الأزمة المالية العالمية والتذبذب الكبير في أسعار الغذاء بالسوق العالمية، بجانب المشاكل المتعددة في أسواق المال وفي الاستيراد، مع توقعات بتغيرات مناخية حادة بدأت تظهر تأثيراتها على الأمن الغذائي العالمي، ومن أهمها موجة الجفاف التي تتعرض لها معظم القارات، وبالأخص أميركا الشمالية، والتي بدأت تظهر تداعياتها على الإنتاج والأسعار للذرة وفول الصويا وبقية المحاصيل الزراعية الرئيسية.

وبين الشريف أن أزمة الذرة وفول الصويا التي أطلت برأسها مؤخرا ككرة الثلج التي يزداد حجمها كلما تقدمت إلى الأمام لتقود اضطرابا في الأسواق العالمية، أدى في مرحلته الأولى إلى التهديد بحدوث أزمة عالمية في الغذاء، فضلا عن تداعيات ليست أقل خطورة تتعلق بارتفاع أسعار الحبوب الرئيسية، فيما تتوقع المنظمات الدولية العاملة في مجال الزراعة والأغذية أن تتسبب الأزمة في ارتفاع كبير في أسعار الدواجن واللحوم ومنتجات الألبان والبيض والزبدة وغيرها من المنتجات الحيوانية، مشيرة إلى أن الارتفاع سيستمر على مدى الأشهر المقبلة.

وترجع التقارير العالمية الصادرة عن المنظمات الدولية المتخصصة الأزمة الحالية للذرة وفول الصويا إلى مشكلة الجفاف التي تتعرض لها 55 في المائة من مساحة الولايات المتحدة الشاسعة من كاليفورنيا حتى أركنساس، ومن تكساس حتى داكوتا الشمالية، وتعد أكبر مساحة تتعرض للجفاف في أميركا منذ ديسمبر (كانون الأول) 1956.

فيما يظهر التحليل الذي أصدره برنامج مراقبة الجفاف في الولايات المتحدة، أن 88 في المائة من محصول الذرة و87 في المائة من فول الصويا تزرع في الولايات التي تضربها موجة الجفاف، خاصة ولايات الوسط والشمال، فنحو 61 في المائة من مساحة تلك الولايات تعاني من معدلات هطول أمطار منخفضة ودرجات حرارة مرتفعة تقدر بنحو 10 درجات فوق المعدل، بينما تعاني المساحة المتبقية التي تبلغ نسبتها 39 في المائة، من انعدام جميع مصادر المياه سواء سطحية أو جوفية، مع انخفاض شديد جدا في معدل هطول الأمطار وارتفاع في درجة الحرارة.

وبين التحليل أنه «قد تسببت هذه الموجة من الجفاف في فقدان نحو 38 في المائة من إنتاجية محصول الذرة، وما يقارب 30 في المائة من إنتاجية محصول فول الصويا، مع تدني نوعيتهما إلى الدرجة الثانية والثالثة أيضا. مما نتج عنه ارتفاع في أسعار الذرة وفول الصويا إلى مستويات قياسية، وتمثل ذلك في زيادة سعر الذرة بنحو 8.07 دولار للبوشل، بينما ارتفعت أسعار فول الصويا بنحو 17.49 دولار».

وقد ذكر التقرير الذي أعدته مؤسسة القمح الأميركي أن استحواذ الولايات المتحدة الأميركية على نحو 28 في المائة من إجمالي أسواق الغذاء والحبوب العالمية، من شأنه أن يعزز من التوقعات التي تشير إلى أن أسعار الغذاء على المستوى العالمي زادت حاليا بنسبة 20 في المائة، ومن المتوقع أن ترتفع مستقبلا أسعار القمح بنسبة 25 في المائة، وأسعار الذرة بنسبة 50 في المائة.

ويرى الشريف أن تداعيات الأزمة لا تقف عند حد ارتفاع أسعار الذرة وفول الصويا، وإنما تمتد لتشمل منتجات وموارد أخرى، منها مدخلات الأعلاف الجافة المستوردة، التي تشكل فيها الذرة نحو 75 في المائة من مكوناتها، وبالتالي فمن المتوقع أن ترتفع أسعارها خلال الفترة المقبلة بنسبة تتجاوز 50 في المائة.

وأضاف: «تسببت الأزمة في قيام مستوردي الأعلاف بعدد من الدول العربية برفع أسعار طن العلف المستورد دون انتظار لوصول الشحنات الجديدة بالأسعار الجديدة، مما سينتج عنه ارتفاع كبير في أسعار الدواجن واللحوم والبيض والزبدة وغيرها من مصنعات اللحوم والدواجن تبعا لذلك».

كذلك أدت الأزمة إلى ارتفاع أسعار فول الصويا، مما ينعكس على زيادة حادة في أسعار زيوت الطعام بنسبة قد تصل إلى 50 في المائة؛ نظرا لأنه يمثل نحو 50 في المائة من مكونات الزيوت المستخدمة في القلي، بالإضافة إلى دخوله في مصنعات اللحوم بنسبة 50 في المائة، وأيضا سترتفع أسعار كسب الصويا المستخدم كعلف مركّز للثروة الحيوانية، وبالتالي قد ترتفع أسعار اللحوم والدواجن بنسبة موازية.

ونتيجة لعدم وضوح الرؤية حول الإنتاج العالمي الذي سيظل غامضا حتى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل فإن مضاربات التجار في الأسواق العالمية على الأسعار ستؤدي إلى ارتفاعات في أسعار المحاصيل الزراعية.

وتوضح التقارير الصادرة عن مجلس الحبوب العالمي وجود ارتفاع واضح في سعر الذرة بفعل الأزمة، حيث ارتفعت في أسبوع واحد من 322 دولارا إلى 344 دولارا للطن، فيما لم يزد سعرها في الفترة نفسها من العام الماضي على 317 دولارا، فيما ارتفعت أسعار الصويا مع بداية الأزمة من 627 إلى 644 دولارا مقارنة بـ539 دولارا للطن في الفترة نفسها من العام الماضي.

وتشير توقعات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إنتاج الذرة في الولايات المتحدة سيبلغ 350 مليون طن بانخفاض قدره 25 مليون طن، كما تتوقع أن يصل الإنتاج العالمي من الحبوب الخشنة إلى 291 مليون طن هذا العام.

كما تشير تقارير المنظمة إلى أن الجانب الأكبر من الهبوط منذ شهر يونيو (حزيران) الماضي، يتعلق بالحبوب الخشنة (الذرة بصورة أساسية) التي تشير التوقعات إلى أن مخزوناتها في يوليو (تموز) 2012، تبلغ 189 مليون طن، بانخفاض قدره 11.7 مليون طن عما جاء في تقارير المنظمة في يونيو الماضي.

وأضاف العسيري أن فول الصويا قد ارتفع سعر البوشل منه في شيكاغو مع بداية الأزمة إلى 11.14 دولار، وهو أعلى سعر له منذ يوليو 1973، ومما ساعد على ارتفاعه ذلك الطلب المتزايد من جانب صناعة الوقود الحيوي، كذلك توجد مخاوف إزاء المحصول البرازيلي، حيث تعد البرازيل ثاني منتج لفول الصويا في العالم، وذلك بعد الجفاف الذي شهدته ولاية ماتوجراسو التي تعتبر منطقة الإنتاج الرئيسية.

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» إلى أن تدني محصول فول الصويا، إضافة إلى ارتفاع الطلب على الأعلاف الحيوانية، وكذلك إنتاج الوقود الحيوي، أدت إلى تراجع في المخزون العالمي، حيث هبطت نسبة المخزون إلى أدنى مستوياته خلال السنوات الخمس الأخيرة، ولا تشكل المخزونات الحالية سوى 10 في المائة من الطلب السنوي.

ويمثل فول الصويا، الذرة، الأرز، والقمح أهم المحاصيل الرئيسية عالميا، فيما يتم تصنيع نحو 80 في المائة من الإنتاج ليصبح وجبات فول صويا وخلائط لتغذية المواشي، بينما يتم تحويل الـ20 في المائة الباقية منه إلى زيوت نباتية للاستهلاك البشري، إضافة إلى ما تم استحداثه خلال السنوات الأخيرة من استخدامه لتغذية صناعة الوقود الحيوي.

وقد تراجعت مساحة زراعة فول الصويا في الولايات المتحدة هذا العام إلى 16 في المائة، حيث بلغت 63.7 مليون فدان، حسب بيانات وزارة الزراعة الأميركية، وأدى تراجع المساحات المزروعة، إضافة إلى تراجع إمدادات فول الصويا، إلى إنتاج 2.6 مليار بوشل، أي أقل بنسبة 19 في المائة من الإنتاج القياسي للعام الماضي. وستكون لارتفاع أسعار فول الصويا آثار عبر سلسلة الإمدادات، مما سيرفع سعر اللحوم الحمراء ولحوم الطيور البيضاء، نظرا للاستخدام الواسع لفول الصويا في تغذية الحيوانات.

كما يمكن للارتفاع الكبير في تكاليف فول الصويا، وما يرافقه من ارتفاع في أسعار مدخلات الأعلاف الأخرى مثل القمح والذرة، أن يدفع بعض المزارعين إلى التوقف عن إنتاج لحوم البقر والأغنام، وسط خسائر متصاعدة، مما يمهد السبيل لارتفاعات متصاعدة في أسعار اللحوم أيضا في المستقبل.

ولأن الأمور تشبه السلسلة المتداخلة فإن الجفاف الحاصل في الولايات المتحدة والأرجنتين سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة شحن المواد المستوردة، سواء فيما يتعلق بالذرة وفول الصويا أو مشتقاتهما، مما يعني زيادة الأعباء على المستهلكين في نهاية المطاف، فآثار موجة الجفاف الحالية امتدت لما وراء الزراعة، ففي ولاية ميسوري أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى التسبب في اندلاع حرائق الغابات، التي تشبه موجة الحرائق التي شهدها الغرب الأميركي، حيث اندلعت 117 من حرائق الغابات في محمية مارك توين الوطنية للغابات في ولاية ميسوري، وهو رقم قياسي.

وفي هذه الأثناء تنخفض مستويات المياه الجوفية في خزانات المدن، فضلا عن المجاري المائية الكبيرة، مثل نهري المسيسبي وأوهايو، مما جعل مشغلي السفن وزوارق القطر يقومون بتقليل أحجام حمولاتهم بسبب انخفاض مستويات المياه، مما يعني أنه يتعين على شركات الشحن البحري، التي تقوم بنقل كميات متنوعة من السلع، بداية من المحاصيل الزراعية إلى الحصى، أن تقوم بالمزيد من الرحلات، مما سيزيد من تكلفة الشحن.

وقد أخذ الطلب على الذرة يزداد وتزداد معه الرقع الزراعية المخصصة أصلا لزراعة المحاصيل الأخرى، كالقمح وفول الصويا والشعير، وتشير الدراسات إلى أن أميركا ستزيد من استخدامها السنوي من الذرة لإنتاج الإيثانول من 75 إلى 150 مليون طن بحلول 2015، وستبقى الذرة للأعلاف والاستهلاك البشري بحدود 190 مليون طن سنويا، ما يعني أنه من غير الممكن انخفاض سعر الذرة وفول الصويا والمحاصيل الأخرى، إلا إذا زادت رقع زراعة هذه المحاصيل في الدول الأخرى، كالأرجنتين والبرازيل وأوكرانيا وغيرها.

وبالطبع فإن تصنيع الإيثانول من المحاصيل الزراعية بات يطرح إشكالا اقتصاديا، حيث يتم تحويل الحبوب لإنتاج الوقود الحيوي بفضل ما تقدمه البلدان المتقدمة من دعم مالي، وفي ظل أزمة الذرة الحالية فمن الأهمية طرح التساؤل عن أيهما الأولى: التغذية والمحافظة على حياة ملايين البشر أم الطاقة؟ مع أهمية أن تكون إجابة أكثر وضوحا.

ولخلق حلول لهذه الأزمة يرى الشريف من خلال منظمة «الفاو» أنه ليست هناك بارقة أمل لحلول فعالة تخرج العالم من هذه الأزمة إلا في ازدياد رقعة المساحة الزراعية المخصصة للذرة وفول الصويا، في عدة دول خارج الولايات المتحدة الأميركية.

أما عربيا فإن الوضع يحتم الاستفادة من البيئة الزراعية المتاحة لزراعة الذرة وغيرها من الحبوب في عدد من الدول العربية، كالسودان ومصر، تتوفر فيها المياه بكميات كبيرة تساعد على ري المحاصيل وتنخفض فيها تكلفة الأيدي العاملة، وتتوفر المساحات الزراعية الواسعة، إضافة إلى أهمية الاستفادة من مبادرة خادم الحرمين الشريفين للاستثمار الخارجي في التوسع زراعيا خارج دول الخليج، للتغلب على ما تواجهه تلك الدول من مشاكل مناخية تتعارض مع زراعة الحبوب، وهناك تجارب سعودية ناجحة في هذا المجال يمكن الاستفادة منها وتنميتها ودعمها بشكل أكثر فعالية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام