الخميـس 27 ربيـع الثانـى 1430 هـ 23 ابريل 2009 العدد 11104
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

سيمفونية من الحجر والطين في أعمال المعماري عبد الواحد الوكيل

تتلمذ على يد المعماري المصري حسن فتحي وحصل على العديد من الجوائز العالمية

بيت حلاوة في العجمي
قباب مسجد الكورنيش في جدة
مركز أكسفورد للدراسات الاسلامية
مسجد الملك سعود في جدة
قصر السليمان في حي الحمراء في جدة
مسجد الرويس في جدة
مدخل مسجد الملك سعود
لندن: عبير مشخص
«أولادي» هكذا يسمي المعماري العالمي عبد الواحد الوكيل المساجد التي صممها في المملكة العربية السعودية. ولعل الكثيرون يعرفون هؤلاء الأبناء أكثر من أبيهم، فمن يدخل ليصلي في مسجد القبلتين في المدينة المنورة قد يخرج منه بقلب مفعم بالطمأنينة وعين جالت في أرجاء المسجد وارتاحت عند كل تفصيلة ولكن قد لا يعرف المصلي هناك أن المعماري الذي صمم المسجد كرس حياته للعمارة الإسلامية وإحياء أصولها. وكما صمم الوكيل مسجد القبلتين صمم أيضا مسجد قباء ويؤكد أن «الله أكرمه بتصميم هذا المسجد». قائمة الأعمال التي تحمل تصميمات وفلسفة عبد الواحد الوكيل طويلة وتمتد من مصر إلى السعودية إلى بريطانيا إلى اليونان وأميركا وجنوب أفريقيا. حصل الوكيل على عدة جوائز عالمية على أعماله، منها جائزة الأغا خان للعمارة التي حصل عليها مرتين إحداهما في عام 1980عن تصميمه لبيت حلاوة على شاطئ العجمي خارج الإسكندرية، والمرة الثانية كانت في عام 1989 عن مسجد الكورنيش في جدة، وهذا العام حصل الوكيل على جائزة ديرهاوس للعمارة الكلاسيكية التي تمنحها كلية العمارة بجامعة نوتردام الأميركية.

البداية، كما يقول الوكيل في حديث لـ«الشرق الأوسط»، كانت بعد تخرجه من جامعة عين شمس في عام 1965حيث درس العمارة وقام بالتدريس في الجامعة لمدة خمس سنوات بعدها حاول تسجيل رسالة ماجستير عن المعماري المصري الشهير حسن فتحي صاحب كتاب «عمارة الفقراء» إلا أن مجلس القسم لم يوافق عليها واضطر الوكيل وقتها لتغيير موضوعه المختار. ولكنه بعد ذلك قطع دراسته للعمل مع حسن فتحي حيث قضى معه خمس سنوات كان لها أكبر الأثر على حياته وأسلوبه في العمل. المعروف عن حسن فتحي انتقاده لتقليد العمارة الغربية واتجاهه لاستخدام الخامات المحلية في البناء واستيعاب الأنماط والتشكيلات الهندسية التراثية واستخدامها في التصاميم الحديثة.

يتذكر الوكيل تجربة العمل مع حسن فتحي قائلا «أعمال حسن فتحي في قرية القرنة تمنحك الإحساس بأنك تستمع إلى موسيقى». يمضي الوكيل: «حسن فتحي كان مهتما بعمارة الريف ولذلك كان اهتمامه ببناء قرية القرنة للفلاحين». سألته عن الأعمال التي يبنيها للمدينة ولكنه رد: «إذا وصلنا لحل لمشكلة الريف سنصل لحلٍ لمشكلة المدينة، حسن فتحي كان مهتما بالريف بينما نحن في الكلية كنا مهتمين بالمدينة ومن يصمم أطول عمارة». قام عمل حسن فتحي على استخدام المواد الطبيعية المستمدة من البيئة مثل الطين الذي شيد به مباني قرية القرنة وجاء استخدام الطين مغايرا للسائد في العمارة في ذلك الوقت. وقتها تساءل الوكيل عن سبب استخدام الطين وكان لفتحي تفسير منطقي حيث روى لتلميذه الوكيل أن الحرب العالمية الثانية أثرت على نسبة الحديد والأسمنت الذي تستورده مصر من الخارج وهنا توجه فتحي إلى الصعيد حيث يبني أهالي المنطقة بيوتهم بالطين من دون أن يتأثروا بنقص الحديد أو الأسمنت.. «كان حسن فتحي يفكر ببساطة وبعيدا عن العقد»، يسترسل الوكيل قائلا إنه قرر استيحاء أسلوب حسن فتحي في بناء فيلا في حي العجمي ولكن رد الفعل كان سلبيا سواء من جامعة عين شمس حيث عمل الوكيل كمحاضر أو من البلدية التي رفضت التصريح بالبناء. ولكن العمل مضى في المشروع وأنجزت الفيلا التي حصلت على جائزة الأغا خان للعمارة عام 1980.

المباني لدى الوكيل هي تعبير عن الهوية ولذلك يرى أن الانقياد لأساليب العمارة الغربية هو ابتعاد عن الهوية العربية الإسلامية فهو يؤمن بضرورة إحياء قيم العمارة الإسلامية كما يؤمن بأهمية استخدام مواد البناء البيئية وتقنيات البناء التقليدية مع تطويرها لتتناسب مع المتطلبات الحديثة. يرى الوكيل أن الإنسان يفقد هويته إذا عزل عن محيطه ويقارن ذلك الإحساس بوسائل التعذيب التي كانت المخابرات الروسية «كى جي بي» تقوم بها حيث كانت تعمد إلى عزل السجين لتحطيم هويته. الهوية هي ما ميزت المباني ذات الطراز الإسلامي التي زخرت بها شوارع القاهرة القديمة. الوكيل يرى أن القاهرة عانت من الاتجاه إلى بناء الفيلات المنفصلة والمفتوحة على الخارج. الفيلا كما يوضح الوكيل تعود إلى إيطاليا حيث اعتمد المعماري الإيطالي أنطونيو بالاديو إلى بناء المنازل خارج المدينة في الريف مستغلا المساحات الشاسعة من المزارع وهو نفس النموذج الذي استخدمه الإنجليز، لكن النموذج الذي نجح في أوروبا ليس ضروريا أن يكون ناجحا في الدول العربية حيث يشرح الوكيل «إذا طبقنا هذا النموذج في بلداننا العربية نجد أنفسنا أمام واقع آخر، فنحن محاطون بالصحراء والمساحات الواسعة المفتوحة تجلب الرمال، فالوضع عندنا يختلف عن العمارة في عصر النهضة ولكن المشكلة هنا أن الإنسان يحب أن يقلد من يعتقد أنهم مُثل عليا؛ فمنزل النبيل الإنجليزي أطلقنا عليه فيلا أصبحت حلم كل من يسكن المدينة».

بدايات عمل الوكيل في السعودية ميزها بناء قصر السليمان في حي الحمراء في جدة، ويروي الوكيل ذكرياته حول المشروع «كنت في زيارة لبيروت لزيارة والدتي وهناك قابلت عبد العزيز السليمان من جدة وأخاه أحمد وهو ما أدى بي إلى تصميم قصر السليمان، الذي اختارته مجلة إيه آي جورنال الأميركية المتخصصة في المعمار عام 1973 كأجمل مبنى في السعودية». قامت الفكرة الرئيسية في مشروع قصر السليمان على تدعيم العمارة المحلية من خلال تطوير تصميمات تشجع الحرف التقليدية. ويتميز القصر الذي حصل على جائزة الأغا خان للتصميم المعماري، باحتوائه على الملامح المعمارية العربية مثل الفناء الداخلي والمشربية والأبواب الخشبية المزخرفة. وقد اعتمد الوكيل لتحقيق ذلك على مواد البناء البيئية وطرق البناء التقليدية معتمدا على الطاقات البشرية ومهارة الحرفيين. يقول الوكيل «تعلمت من عملي في المعمار الإسلامي أن العمل يصنع الرجل، تدريب وتمرين لكسب النفس قبل كسب العيش، عندما كنت أشتغل مع الحرفيين القدامى كانت روحانياتهم عالية، كان الواحد منهم ينهمك في عمله وكأنه يسبح. كان البعض يقول لي لماذا تصر على العمل اليدوي والزخارف لماذا لا تستخدم الصبات والقوالب الجاهزة؟ ولكن ذلك كان مناقضا للمهمة ذاتها. كنت ساعات أجد في المساجد القديمة قطعة بديعة من الزخرفة في ركن لا يراه الكثير من الناس وفكرت في ذلك وتوصلت إلى قناعة أن الحرفي يريد الحصول على ثواب بعمله ولا يهمه أن يراه الناس».

بعد قصر السليمان استعان المهندس محمد سعيد فارسي، أمين مدينة جدة، بالوكيل في العمل على تصميم مبانٍ في جدة تأخذ روح جدة القديمة «الوضع تغير حيث لا توجد حواري أو مباني ملاصقة. المهم هو أخذ الفلسفة والروح». في ذلك الوقت تعرف الوكيل على حسام خاشقجي وكيل وزارة الحج والأوقاف «وقتها كان الاتجاه هو تطوير مشاريع المدينة وكان من أولها مسجد قباء الذي قمت بتصميمه وهو مهم جدا لأكثر من سبب أولا لمكانته، السبب الثاني أنه أول مبنى له صفة رسمية في العالم العربي يتم بناؤه من دون الخرسانة والأسمنت».

يرى الوكيل أن المدن العربية تعيش كارثة حقيقية من ناحية المعمار ويرى أن المهم في أي بناء أن يتفاعل بشكل قوي مع البيئة حوله. ويضيف أن العمارة الإسلامية متنوعة بشكل بديع ومتناغم مع البيئة التي توجد فيها فالعمارة المغربية على سبيل المثال نجد أن منارة المسجد مربعة الشكل وفي التركية دائرية بينما تختلف في اليمن وهكذا. لكن ذلك التنوع لا يوجد الآن حيث يصر الكل على التقليد ويضرب المثل بماليزيا حيث أنيط به تصميم مسجد هناك وأراد الاستعانة بالعناصر المحلية مثل البامبو لكنه اصطدم برغبة المسؤولين عن المشروع أن يماثل تصميم المسجد تصميم الحرم المكي.

عندما قام الوكيل بتطوير مسجد الملك سعود في جدة أثار تصميمه على بناء قبة المسجد من دون استخدام الأسمنت اعتراض المهندسين العاملين معه الذين رأوا أن القبة التي يصل ارتفاعها إلى 40 مترا لن تصمد بلا أسمنت لكن الوكيل أصر على ذلك، بل قام بالتوقيع على إقرار بتحمل المسؤولية كاملة عن بناء القبة. من أعمال الوكيل خارج العالم العربي يبرز مركز الدراسات الإسلامية في أكسفورد الذي يرعاه الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وهو أحد المعجبين بعمل الوكيل، بل قام باختياره ضمن فريق المستشارين لمشروع مدرسة الأمير للفنون المعمارية كما قام باستخدام بيت صممه الوكيل في اليونان كمثال للعمارة التقليدية المستوحاة من بيئتها ضمن كتابه المعنون «رؤية للعمارة في بريطانيا». مركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد امتاز بتمازج بين العمارة السائدة في جامعة أكسفورد العريقة والعمارة الإسلامية مما خلق مبنى بديعا يمزج بين عناصر العمارة الشرقية والغربية. يعتمد التصميم المعماري للمركز على الأقبية والممرات والأقواس، بالإضافة للقبة الضخمة والمنارة التي تكتسب أهمية خاصة باعتبارها أول منارة تقام داخل المدينة الجامعية بأكسفورد. يحتوي المبنى على عدة قاعات تحمل كل منها الطابع القومي لإحدى الدول المتبرعة للمشروع، فهناك الفناء المركزي الذي يحمل اسم اسطنبول ويتميز بالمعمار التركي والزخارف الإسلامية، بالإضافة لقاعة ماليزيا، ومكتبة الكويت. وهناك أيضا حديقة الأمير تشارلز المقامة على الطراز الإسلامي والمستوحاة من نسق الحديقة الإسلامية التي قدمها الأمير تشارلز في معرض تشيلسي للزهور. ويرى الوكيل أن المعمار في جامعتي أكسفورد وكامبريدج وكنيسة دارهام تحمل عناصر كثيرة مستوحاة من المعمار الإسلامي مثل استخدام الفناء الداخلي والأقواس التي تظهر جليه في كنيسة دارهام.

الحديث مع الوكيل متشعب ويتنوع ما بين التاريخ والعمارة والفن والحرف التقليدية، لكنه يصب في النهاية في رؤية معمارية متميزة تستند إلى تراث إسلامي عريق وتختلف مع الواقع بل وتتحداه في سيمفونية من الحجر والطين.

* أهم أعمال عبد الواحد الوكيل

* مسجد قباء، المدينة المنورة

* مسجد القبلتين، المدينة المنورة

* مسجد الميقات، المدينة المنورة

* قصر السليمان، جدة

* مسجد الملك سعود، جدة

* مسجد الكورنيش، جدة

* مسجد الرويس، جدة

* مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، أكسفورد

* بيت حلاوة، العجمي بالإسكندرية

* مسجد كيرك ستريت في جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام