الاثنيـن 24 ذو الحجـة 1434 هـ 28 اكتوبر 2013 العدد 12753
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

هل يعد زواج القاصرات «ظاهرة» من الواجب محاربتها بمعزل عن أي اعتبار؟

لا... إحصائيات كافية لتصنيفها كظاهرة.. لكن مع هذا يتوجب علينا التصدي لها

مها عقيل
لا أستطيع أن أجزم بأن زواج القاصرات «ظاهرة» تثبتها الإحصاءات، وذلك لأنه ينقصنا هذه الإحصاءات، لكنها واقعيا ظاهرة لجهة كونها أمرا مقبولا من قبل شريحة لا بأس بها من المجتمع، سواء الخليجي أو العربي أو المسلم. ولكن الفرق أن في دول الخليج ثمة من يبرر لهذا الزواج على أساس ديني، بينما في المجتمعات الأخرى السبب الرئيس هو الفقر والعادات.

المبرر الديني يستند على أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، تزوج السيدة عائشة، رضي الله عنها، وهي في التاسعة من عمرها، ولقد اختلف كثيرون حول السن التي دخل بها، وبأن السيدة عائشة كانت قد بلغت الثانية عشرة من العمر. وحاول البعض أن يفسر بأن في ذلك الوقت كانت تلك هي السن التي تتزوج فيها البنات حتى في المجتمعات الأخرى، بينما يتغاضى البعض الآخر عن أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، احتج بصغر سن سيدتنا فاطمة، رضي الله عنها، عندما تقدم لخطبتها أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما.

ولقد نصح الكثير من علماء الدين بالابتعاد عن تزويج القاصرات، ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، رئيس هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الذي حذر الآباء وأولياء الأمور من تزويج بناتهم الصغيرات، خاصة لأزواج كبار قد يصل الفارق العمري بين الزوجين من خمسين إلى ستين سنة من أجل المال، مشيرا إلى أن هذه الأفعال دليل على فساد ضمير هؤلاء. كذلك فإن عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الله المنيع رفض المقارنة بزواج السيدة عائشة، رضي الله عنها، من النبي، صلى الله عليه وسلم، وهي في سن التاسعة، مبينا أن أبا بكر، رضي الله عنه، عندما أراد أن يزوج عائشة لم يجد أفضل من الرسول، صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى أنه «لا يمكن أن يقاس تزويج الأطفال اليوم بزواج أمنا عائشة، رضي الله عنها، لعدم تطابق الشروط والمناخ». وزواج النبي من عائشة خصوصية له كما خصه الله بالعدد، ثم إن هناك أمورا أولى أن يقتدى بها من عادات الرسول ومعاملته للنساء وما أوصى به.

وإذا نظرنا إلى وجهة نظر «سد الذرائع»، ومنها أن في زواج القاصرات حماية لهن، فإننا نرى أن المفاسد أكثر من المصالح، ذلك أن الدراسات أثبتت أن زواج الفتيات في سن صغيرة خطر على صحتها وحياتها. وتشير الإحصائيات إلى أنه كلما كانت الفتاة صغيرة في السن زاد احتمال الوفاة بسبب مشكلات الحمل والولادة، وهو ما نلاحظه في بعض المجتمعات الفقيرة التي يكثر فيها تزويج الفتيات الصغيرات، حيث يرتفع معدل وفيات الأم والطفل، فهن يتعرضن للنزيف والإجهاض المتكرر وعسر الولادة، إذ إن الزواج يجعل جسد الفتاة منهكا، وبخاصة حين يكون نموها غير مكتمل، وخبرتها معدومة، خصوصا في البيئات التي تنعدم فيها الرعاية الصحية والمتابعة المستمرة حتى الولادة.

وقال الشيخ المنيع، إن رأي الفقهاء في تزويج الصغيرة، بأنه لا يجوز، وهناك من قال بجوازه إذا كانت المصلحة ظاهرة للمولية بذلك ولها حق الاختيار، مشيرا إلى أنه في وقتنا الحاضر ونظرا إلى تغير الأحوال وازدياد الطمع وتغير المفاهيم فهناك من يرى أنه يجب رفع الأمر إلى القاضي، للتحقق من مصلحة الزواج، وحتى فيما بعد الزواج لها أن تخير في فسخ الزواج أو المضي فيه، بالإضافة إلى أنه كلما كبرت الفتاة ازدادت نضجا ووعيا، وبالتالي يمكنها تحمل مسؤولية وأعباء رعاية زوج وأطفال وبيت. وربما كان أحد أسباب ارتفاع نسبة الطلاق هو الزواج المبكر للفتاة والشاب أيضا. ومن حق الفتاة أخذ إذنها قبل تزويجها، ولكن من غير المنطقي أن نأخذ برأي فتاة قاصر في الزواج وهي لا تعي بعد معنى الكلمة، ولذلك أرى أن مثل هذه الزيجات باطلة، ثم إن أهلية الأنثى لا يمكن أن تكون فقط باكتمال نموها الجسمي والذي يختلف من فتاة لأخرى.

ولكن، بغض النظر عن الاعتبارات «الدينية» والاجتماعية، يجب التصدي لهذه الظاهرة وهذه النظرة لزواج القاصرات لأن فيها انتهاكا لحقوق الفتاة. الزواج المبكر يؤثر على صحة الفتاة الجسدية والنفسية ويؤثر على تحصيلها العلمي وحياتها الاجتماعية ونموها الطبيعي من مرحلة الطفولة إلى المراهقة والبلوغ الكامل. وهنا يأتي دور المؤسسات الاجتماعية والأهلية والحكومية والدينية أيضا في تعريف الفتاة والمرأة بحقوقها وتقديم النصح لأسر الفتيات وتقديم المساعدة المادية أيضا في حالة الأسر الفقيرة التي ربما ترى في تزويج بناتهن صغيرات التخلص من بعض الأعباء المالية.

وأعتقد، شخصيا، من واجب الدولة سن قانون يحدد عمرا للزواج في إطار الشريعة الإسلامية السمحة حماية للفتاة من ضعاف النفوس، وهناك الكثير من الأدلة الفقهية والعلمية التي يمكن الاستناد إليها. وعلى الدول احترام اتفاق حقوق الطفل الدولية (1989) التي صادقتها وعهد حقوق الطفل في الإسلام الصادر عن منظمة المؤتمر الإسلامي (2004) الذي حث على حماية الطفل من الممارسات والأعراف الضارة صحيا أو اجتماعيا أو ثقافيا، وكذلك على حمايته من الاستغلال بكل أنواعه، وخصوصا الاستغلال الجنسي، وزواج القاصرات فيه استغلال جنسي، ثم إن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي حاليا) قد تبنت خطة عمل المنظمة من أجل النهوض بالمرأة (2008)، وينص على «منع الزواج المبكر أو الزواج القسري وذلك باتخاذ جميع التدابير الممكنة».

* أكاديمية وكاتبة وإعلامية سعودية

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام