الاربعـاء 28 شـوال 1426 هـ 30 نوفمبر 2005 العدد 9864
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

كيرالا.. حيث السحر والعجائب

موطن الغربان في الهند محط أنظار السياح

كيرالا (الهند): محمد بن حسين
عندما فتحت الجنة أبوابها وهبط آدم من جنة الفردوس إلى الأرض كان ذلك، وحسب ما تتفق عليه كتب التاريخ في شبه القارة الهندية. أين بالتحديد؟ لا أحد يعرف. لكن هناك اعتقاداً سائداً في بلد التوابل أن ذلك كان إلى جنوب غرب البلاد.

كيف لا وتلك البقعة الساحرة هي أقرب بلاد الأرض جمالا إلى الجنة. نسيم الهواء المحمل بروائح الفواكه الاستوائية يلتقي مع العبير القادم من البحر تحت أشعة الشمس الدافئة التي تبسط جناحها على المصطافين عند الشواطئ الخلابة بينما تغني الطيور المحلقة أحلى لحن. ومن ذلك المكان، وبالتحديد من ولاية كيرالا، إلى أقصى الجنوب قررت أن أبدأ رحلتي إلى بلاد الغموض والعجائب. على الرغم من كثرة العجائب التي مررت بها في كيرالا إلا أن ظاهرة انتشار الغربان المغمسة بالكحل في كل مكان كانت من أكثر ما لفت انتباهي ومنذ اللحظة الأولى لوصولي إلى هناك.

لقد جرى العرف في ثقافتنا أن نعيق الغراب، تماما مثل البوم يجلب التشاؤم وسوء الطالع، لكنني أدركت أن الاسطورة ضرب من الخيال وبدأت أعارض الفكرة بشدة. كيف لا وقد أمضيت أياما أقل ما يقال عنها إنها من الخيال في ربوع قرى ولاية كيرالا.

عندما حطت الطائرة بنا في مطار تريفاندروم عاصمة الولاية، وقبل أن تلمس قدماي أرض المطار القديم المحاط بالغابات، تقدم غراب أسود وحيانا بنعيق حاد بينما كان يتشمس في الهواء الطلق. عرفت حينها أن الكثير من المفاجآت ستكون بانتظاري.

لم تشكل تريفاندروم، على الرغم من بطئ إيقاع الحياة فيها، عنصر جذب بالنسبة لي، فقد كنت أبحث عن الهدوء وسط الطبيعة الخضراء بعيدا عن أجواء المدن لارتاح من عناء السفر الطويل قبل أن أبدأ رحلتي شمالا.

كانت خطتي أن أبدأ جولتي بالقرب من تريفاندروم ومن ثم أرحل شمالا نحو ايرنوكولام ومن هناك سأستقل عبّارة إلى ألابورا، أو كما يطلق عليها «فينيسيا الشرق». تطفو ألابورا بين مياه الأنهر والبحيرات والقنوات المائية المتشابكة بينما تحيط بها الأشجار من كل مكان عوضا عن الجدران الأسمنتية. وعلى الفور استقللت إحدى عربات الريكشا الصغيرة المصطفة أمام المطار المتواضع وما هي إلا دقائق حتى وجدت نفسي خارج حدود المدينة متجها نحو منطقة كوفالام الساحلية. هناك سأقضي بقية النهار مستلقيا فوق رمال الشاطئ تحت أشعة الشمس الدافئة ومن ثم انطلق في الصباح الباكر كما هي الخطة.

بعد مرور ساعة قضيتها أتلفت يمينا وشمالا أحاول استيعاب كل ما يجري حولي من حركة الناس الهادئة والصور الفوتوغرافية الحية للطبيعة من حولي. خلال رحلتي القصيرة نحو كوفالام استرجعت الفكرة النموذجية التي خلقت لدى الكثير منا عن الهند والمتمثلة في وجود مئات الآلاف من الناس، بل الملايين يتصارعون من خلف عرباتهم المزعجة ومن فوق دراجاتهم النارية التي ينبعث منها الدخان الأسود وسط بيئة قذرة تنبعث منها جميع الروائح الكريهة.

لكنني صعقت عندما شاهدت أن هذه الفكرة بدأت بالتلاشي شيئا فشيئا وبدأ يحل مكانها الهدوء وعبير الهواء العليل والسهول الشاسعة من الأشجار والبساتين. قد تكون فكرة الصخب والضوضاء موجودة في المدن الرئيسية مثل بومباي ونيودلهي لكن في كيرالا فإن الأمر مخالف تماما. عندما وصلت إلى كوفالام وإذا بي أقابل بأسراب من الغربان تخرج من كل مكان. أصواتها تخترق أغصان أشجار جوز الهند الكثيفة ومن فوقها ومن تحتها ومن كل مكان. تبادر لي على الفور فكرة الاشمئزاز والفزع، كيف لا وقد نشأت وأنا أسمع الأمثال الشعبية والقصائد الشعرية تتسابق للنيل من هذا الحيوان الأسود ومن سوء طالعه. لكنني لم أعر أفكاري المسبقة انتباها وقررت المضي في استكشاف القرية بينما أبحث بين الأشجار عن منزل خشبي أبيت فيه الليلة.

كوفالام منطقة سياحية لا يتعدى عدد سكانها بضع المئات، معظمهم يعملون في مجال السياحة لذا لم يكن من الصعوبة بأمر العثور على منزل خشبي للمبيت فيه تلك الليلة.

وجدت هذه القرية كمحطة لصيد الأسماك من بحر العرب وقد أطلق عليها «جنة الجنوب» لكنها تحولت خلال السبعينيات من القرن الماضي كملاذ للسياح «الهبيين» القادمين من أوروبا.

بعد ليلة هادئة انطلقت صباحا وبواسطة الحافلة العمومية نحو ايرنوكولام، فتجربة زيارة الهند لن تكتمل دون السفر على متن هذه الحافلات الصفراء التي أكل الدهر عليها وشرب حتى تجشأ! كنت الشخص الوحيد الغريب على متن الحافلة ليس بسبب لون بشرتي بل من خلال ثيابي. فالجميع كانوا يرتدون الثياب التقليدية هناك، الرجال بأزورهم المرفوعة حتى الركبة والقمصون الملونة بينما بالغت نساؤهم باختيار الألوان الفاقعة من صفراء وحمراء وزرقاء لألبسة الساري. على الرغم من بروز البؤس والشقاء على جوه العديد من المسافرين، الذين يعملون إما في الزراعة أو صيد الأسماك، إلا أن الابتسامة لم تفارقهم كلما اكتشفوا نظرات الفضول التي كنت اختلسها نحوهم.

عندما وصلت ايرنوكولام قيل لي إن الطريقة المثلى للذهاب إلى الابورا هي بواسطة العبارة الحكومية والتي يستخدمها السكان المحليون للتنقل على طول القناة من تريفاندروم حتى كوتشين. على الرغم من رومانسية السفر بالحافلة إلا أنها كانت متعبة خاصة مع الوضع المزري للشوارع هناك لذا لم أتردد في الصعود على متن القارب.

وما أن صعدت بالقارب الكبير باتجاه الابورا حتى فتحت الجنة أحد أبوابها بعد أن انسل القارب بهدوء فوق المياه الصافية وبين أشجار جوز الهند التي غلفت النهر من جانبيه بينما يغطي العشب الندي ما عجزت الأشجار عن النمو فوقه. استمرت الرحلة بالقارب أربع ساعات لكنني تمنيت أن تدوم إلى الأبد. الصوت الوحيد الذي يمكن سماعه هو خرير المياه الملاصقة لحافة القارب التي تتجه بهدوء نحو حافة النهر لتلعق أشجار جوز الهند الملاصقة.

تتكون منطقة ألابورا من مجموعة هائلة من الأنهار والبحيرات المتشابكة بين بعضها البعض بواسطة قنوات مائية تشكل الحد الفاصل بين القرى المنتشرة على حواف الأنهار. مكثت في ألابورا عدة أيام أتجول عند حافة الأنهار وبين القنوات المائية المغطاة ببساط من العشب الأخضر الذي نما فوق الماء بعد أن ضاقت به التربة الممتلئة بالأشجار حتى ان جدران المنازل القديمة عند حافة الأنهر طليت بالطحالب الخضراء. لقد عرفت خلال زيارتي إلى ألابورا أنني إذا أردت أن أنسى الدنيا وما فيها فما علي سوى التوجه إلى هناك وعرفت أن الغراب مظلوم في حضارتنا.

* كيرالا في سطور

* الموقع: أقصى جنوب الهند، تطل على بحر العرب.

* تعداد السكان: أقل بقليل من 32 مليون نسمة

* المساحة: 38.863 ألف كلم مربع

* العاصمة: مدينة تريفاندروم

* المدن الرئيسية الأخرى: إيرناكولام وكوزيكودة (كاليكوت) وكوتشين وأليبي

* اللغة القومية: المالايالام (إحدى اللغات الدرافيدية السائدة في جنوب الهند، ومنها أيضا التاميلية في تاميل نادو والكانادا في كارناتاكا والتيلوغو في أندرا براديش)

* تركيبتها الإثنية/الدينية: الاغلبية درافيدية هندوسية، وجود بارز للأقليات إذ توجد فيها أقلية مسيحية، كما عرفت مدينة كوتشين والمنطقة المحيطة بها بأقليتها اليهودية التي هاجر معظمها الى إسرائيل. وكانت كاليكوت من أوائل موانئ استقبال الرحالة والتجار الآتين من الغرب إلى الهند ومنهم العرب والبرتغاليون.

* نسبة المتعلمين: 90.86% (من أعلى النسب في الهند)

* اتجاهاتها السياسية: تعد كيرالا ومعها ولاية البنغال الغربية (شمال شرق الهند) أهم مراكز ثقل الشيوعيين في البلاد. وهي تضم 20 دائرة انتخابية تتوزع على محافظاتها الـ14.

* أبرز مزاياها الطبيعية مناخها المداري الدافئ وغزارة مطرها الموسمي صيفاً وخصب تربتها وكثرة وامتداد غاباتها ومصادرها المائية الغنية. ويبلغ طول شاطئها 590 كلم وتقدر مساحة أسطحها المائية بنحو 108.760 هكتارا، ورقعة غاباتها بنحو مليون و82 ألف هكتار.

* تتمتع كيرالا بثروة حيوانية لا بأس بها وتشمل نحو مليونين و500 ألف رأس بقر ومليون و600 ألف رأس ماعز و111 ألفا من الجواميس

* من أبرز الإنتاج الزراعي في كيرالا: جوز الهند والأرز والتابيوكا والبهار والقرفة والزنجبيل والتمر الهندي وجوز الكاشيو وراتنج المطاط

* لهواة الحياة البرية تضم كيرالا 11محمية للحيوانات البرية ومحمية طيور ومحميتين وطنيتين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام