الاربعـاء 23 صفـر 1433 هـ 18 يناير 2012 العدد 12104
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

رحلات سفاري الجمال في صحراء راجستان.. تبقى دائما في الذاكرة

النوم في العراء والأكل على نيران المعسكر

رحلة على ظهر الجمال في الصباح الباكر
مأكولات تطهى على نيران موقد المعسكر
راجستان (الهند): براكريتي غوبتا
إذا كنت ممن يحبون المغامرات والقيام بجولات في الأماكن المختلفة بطريقة غير تقليدية، فعليك أن تأتي إلى هنا وتخوض هذه التجربة التي لا تصدق في صحراء طهار أو صحراء الهند الكبرى، حيث ستسافر في رحلات سفاري ممتطيا الجمال، وستطهو طعامك في الخلاء على نيران المعسكر، وستنام في العراء تحت النجوم.

وعلى الرغم من أن المرء قد لا يتذكر تفاصيل رحلة خلوية قام بها على أحد الشواطئ، فإنه من المؤكد أن ذكريات رحلات سفاري الجمال في ولاية راجستان سوف تظل في ذاكرته دائما ما بقي له من عمر.

ولكن ما هي رحلات سفاري الجمال؟

لا يمكن شرح رحلات سفاري الجمال، فهي رحلات مليئة بالمتعة على ظهر الجمال، يتخللها مشاهدة المناظر الجميلة للبيئة المحيطة، وهي تجربة غريبة لن يسبر المرء خباياها إلا بعد أن يكون قد قام بجولة ممتطيا ظهر الجمال، حيث تتطلب رحلات سفاري الجمال أن يتمتع المرء بالمهارات والخيال اللازم لاستكشاف مظاهر العظمة والغموض الموجودة في المناطق الريفية المحيطة بصحراء ولاية راجستان.

وتعتبر ولاية راجستان، أرض الملوك والآثار، أكبر ولاية في الهند، كما أنها تحظى بشهرة عالمية كبيرة في مجال السفر والسياحة، حيث تشتهر على نطاق واسع بحصونها الرائعة، ومعالمها التاريخية، وقصورها الفخمة، ومعابدها الجميلة، وقصورها الخاصة الرائعة، ومتحفها المزدهر، وثقافتها وتقاليدها الغنية، وماضيها المجيد، ومعارضها ومهرجاناتها المبهرة، ومأكولاتها اللذيذة، إلخ. حيث تعد كل هذه الأشياء، بالطبع، من العناصر الرئيسية لجذب السياحة في هذه الولاية الملكية الإمبراطورية الهندية، ولكن هناك وجها آخر للسياحة في هذه الولاية، وهو الرحلات الاستكشافية في صحراء طهار الشاسعة.

والعربات التي تجرها الجمال في هذه الرحلات مجهزة تجهيزا جيدا شاملا، بحيث لن يكون المرء بحاجة للقلق حول راحته مهما طالت مدة الرحلة. وأفضل جزء في رحلات سفاري الجمال هو أنه يمكن تصميمها وفقا للاحتياجات الخاصة المختلفة للمشاركين فيها، كما أنها مرنة بما يكفي للوفاء بمتطلبات المرء، بالإضافة إلى كون رسومها معقولة، حيث يمكن للمرء الاشتراك في رحلة سفاري لا تتجاوز مدتها بضع ساعات، أو ترتيب رحلة أخرى تستمر طوال عطلة نهاية الأسبوع، أو لفترة أطول من ذلك، فهي يمكن أن تكون رحلة لمدة ساعة تمنح المرء شعورا سريعا بجو الصحراء، أو رحلة طويلة مدتها 15 يوما، وهكذا يمكن للمرء بسهولة اختيار جولة مصممة خصيصا لراحته. وتعد رحلات السفاري التي تمر عبر المدن، مثل جودبور، وبيكانير، وجايسالمير، من أكثر الرحلات شعبية.

ويمر المرء في هذه الرحلات بالأنقاض القديمة، والقرى المهجورة، والمعالم الجميلة، والتي تعد أماكن رائعة للاستكشاف، كما أنها تتمتع بسحر رومانسي يصعب تجاهله.

وأود، من خلال هذه المقالة، أن أنقل لكم تجربتي مع إحدى رحلات سفاري الجمال في بيكانير، لأعطيكم فكرة عن حجم المتعة التي يحصل عليها المرء من اشتراكه في رحلات سفاري الجمال.

وتمر رحلة سفاري الجمال في بيكانير بالمرء عبر مناطق مذهلة، حيث يمكنه أن يشاهد غروب الشمس الناعسة في الأفق، والانتشار السخي والطبيعي للرمال حول الكثبان الرملية، والقصور والحصون والمتاحف. وتعد تجربة السفر عبر محيط الرمال المليء بالشجيرات الصغيرة الشائكة، من خلال رحلات سفاري الجمال، والاستماع إلى الموسيقى المحلية، ومشاهدة صحراء طهار النابضة بالحيوية والغنية بالثقافة عن كثب، تجربة مبهجة.

ومدينة بيكانير هي مدينة ملكية يعود تاريخها إلى عام 1488، وهى من البلاد الواقعة على الأطراف، حيث لا يوجد شيء يذكر يحدها من ناحية الشمال سوى الصحراء، التي تمتد حتى الحدود مع باكستان، وقد تمتعت بكونها مركزا تجاريا كبيرا، نظرا لوقوعها على طريق القوافل القديم، الذي كان يربط بين المراكز التجارية في أنحاء الهند وآسيا الوسطى، وهو ما ساعد بيكانير، بالتالي، على الاحتفاظ بعبق القرون الوسطى.

وتتناثر في طريق رحلات السفاري، بعكس المناطق الموجودة في عمق الصحراء، رقع قليلة من النباتات، بالإضافة إلى مجموعات من المنازل المبنية فوق الكثبان الرملية. وسيستمتع المرء حقا بالاختلاط مع القرويين، الذين يكونون أكثر من سعداء بتحيته، حيث سيأخذونه في جولة حول قريتهم. كما أن الليالي في الصحراء رائعة أيضا، خاصة مع مشاهد النجوم التي تغطى الأفق كله. ومع حلول المساء يتم إشعال نار صغيرة بجوار المعسكر وتقديم العشاء، وعندما يأتي الصباح، يشاهد المرء منظرا مذهلا، ويرى مجموعة متنوعة الحيوانات التي تعيش في البرية.

وقد استغرقت رحلتنا يوما كاملا، واستمتعنا بها كثيرا، حيث كان ركوب الجمال ممتعا، كما كانت أنثى الجمل التي كنت أمتطيها وديعة للغاية، حتى أنني اضطررت لدفعها للإسراع قليلا، وهو ما كان أمرا عظيما، حيث هرولنا قليلا بالقرب من قرية تيشنوك، والتي تقع على بعد 40 كيلومترا خارج مدينة بيكانير، كما رأينا كيف يتم إطعام الجمال والعناية بها، وكان المكان هادئا إلى حد كبير، وكانت الرحلة كلها بشكل عام عبارة عن تجربة رائعة، وتستحق الثمن الذي دفعناه فيها.

وتعد الكثبان الرملية من الأشياء الجميلة التي تستحق المشاهدة، حيث إنها في حالة حركة مستمرة، فهي تتشكل باستمرار، متنقلة من مكان لآخر، لتتحطم في النهاية. وهناك كثبان جديدة تتشكل كل يوم.

ويمر الطريق في معظمه بالأراضي الزراعية والحقول المتربة الجافة، والمزروعة بمحاصيل تبدو جيدة، مثل الذرة والفول السوداني وعلف الإبل. وقد سرنا على مهل ناظرين للقرويين المتربين، الذين أخذوا يحدقون فينا بدورهم، حيث خرج الأطفال راكضين من داخل الأكواخ، ووقفوا ينظرون إلينا في صفوف وهم يضحكون ويصرخون.

وكانت الخيام أفضل مما وصفها المسؤول عن الرحلة، حيث كانت كبيرة ونظيفة، وتحتوي على مراتب وبطانيات سميكة ومريحة، وسرعان ما أوقدنا نارا للتدفئة، وأكلنا خضارا لذيذا بالكاري تحت النجوم.

وكانت جمالنا ضخمة، وشكلها غير مستحب بشكل عام، وكان من المدهش رؤيتها وهي تقف أو تجلس، أو تجري منحدرة إلى أسفل من فوق الكثبان الرملية بينما تحمل المرء على ظهورها، وهو ما يمنح المرء متعة أفضل من المتعة التي يحصل عليها من ركوب القطار في الملاهي، كما أن الجمال صديقة للبيئة بشكل أكبر. ومن المدهش أيضا رؤية كيف يتحول مشي الجمال الأخرق إلى شيء متناغم وسلس عندما يكون المرء ممتطيا لها وجالسا على السرج الموضوع فوق ظهورها، أو كيف تدب الحياة في الصحراء، من خلال السحالي، والنسور، والماعز والأبقار والغزلان والحياة النباتية، إلخ.

ماذا عن الليل في الصحراء؟ بعد مشهد غروب رائع فالسماء مرصعة بالنجوم وتحتها تناولنا العشاء واستمعنا إلى موسيقى راجستانية الفلكلورية وبجانبنا براغا، أحد سائقي الجمال، الذي يدق على حافظة المياه البلاستيكية وغوركا، مساعد سائق الجمال، يدق على الطبق القصدير.

وظهر جملان بعد سماع غناء قائديهما وتصدرا المشهد. أما نحن فقد رقصنا على بعض أغاني الأفلام الهندية. وصل اليوم الطويل إلى نهايته وسألنا سائقي الجمال المنهكين: «هل ستنامون أم تريدون الاستماع إلى المزيد من الموسيقى؟» فبدا السؤال وكأنه رجاء لنأوي إلى الفراش. واسترحنا تلك الليلة ونمنا على الكثبان الرملية الناعمة تحت النجوم والقمر المنير. لقد فاجأني الصمت والهدوء على عكس الضوضاء والصخب في الهند. وكان هذا الهدوء مجددا للطاقة، وأوحى إلي بالتفكير في أن البشر يتقاسمون هذه السماء منذ بدء الخليقة وما فيها من قمر وشمس ونجوم. وكانت حياة الملوك تنتظرنا في الصباح، حيث كان الإفطار معدا عند استيقاظنا، وكان الشاي دافئا وممزوجا باللبن الذي طلبناه الليلة الماضية عندما صحنا بأعلى أصواتنا عبر الكثبان الرملية لأقرب راعي ماعز حتى يحضر لنا اللبن في الصباح.

سيتاح لك عيش حياة القرويين على ظهور الجمال التي تتوقف فجأة وفي القرى التي تقع وسط الصحراء. خلال رحلات السفاري نقابل الكثير من الذين يعيشون في قبائل. إن الحياة البرية ينقصها الكثير، لكن بها الكثير من الأشياء التي تعوض هذا النقص، ومن بين الأمور المثيرة واللافتة للنظر الطواويس وطيور نقار الخشب والغزلان والثيران الزرقاء. إن تجربة الحياة في الصحراء الهندية والاستمتاع بكرم الضيافة تجربة نادرة. عليك أن تكون مستعدا لمواجهة القيظ الشديد بارتداء قبعات كبيرة في كل الأوقات. وهناك تباين شديد بين درجات الحرارة، حيث تتراوح ما بين صفر وثلاثين، لذا ينبغي أن تكون معك ملابس صوفية وقطنية مريحة. ومن الأشياء الضرورية في رحلة السفاري القبعات القطنية والشماسي والكوفيات والأقنعة والمياه المعدنية والكريمات الواقية من الشمس ومرطبات الشفاة والبشرة.

وتختلف أسعار رحلات السفاري بالجمال بحسب الطعام ووسائل الراحة في كل رحلة، لكن يبلغ متوسط السعر نحو 650 روبية (15 دولارا) في اليوم شاملا الوجبات. مع ذلك يمكن أن يزداد هذا السعر ويصل إلى 1500 روبية (35 دولارا) عندما تشتمل الرحلة على أفضل مخيم ووسائل انتقال بسيارات الجيب. أفضل وقت للقيام بهذه الرحلات في الوقت من سبتمبر (أيلول) إلى مارس (آذار)، حيث تصبح الصحراء بعد شهر مارس ساخنة على نحو لا يطاق، ثم يبدأ موسم هبوب الأعاصير. وعادة ما يحب الناس رحلات السفاري بالجمال جدا أو يكرهونها جدا. يمد البعض الرحلة يوما أو اثنين في الصحراء بعد أن يكونوا قد قضوا أربعة أيام، بينما يكره البعض الآخر رائحة الجمال ويجدون عناء كبيرا في ركوبها. على الجانب الآخر يمكن أن يكون ركوب الجمال غير مريح بعد فترة، ويشكو الكثيرون من وجع أرجلهم ومؤخراتهم في نهاية الرحلة. ولتجنب ذلك من الممكن إحضار شيء مريح للجلوس عليه.

كانت الجمال في يوم من الأيام هي وسيلة الانتقال الوحيدة في راجستان، حيث لم يتم تمهيد الطرق وخطوط السكك الحديد التي تربط بين بيكانير وباقي أنحاء راجستان إلا «منذ فترة قريبة»، حيث يتذكر الكثير من العجائز في راجستان الحياة دون كهرباء أو طرق أو قطارات. إذا أردت السفر من بيكانير إلى جدبور، كان ركوب الجمال لمدة ثمانية أيام هو أسرع طريقة منذ 60 عاما فقط، بينما تستغرق هذه الرحلة حاليا ثماني ساعات بالحافلة أو ثلاث ساعات بالسيارة. وتعد رحلات سفاري الجمال طريقة مثيرة لاكتشاف الصحراء. اطلب دائما نصيحة المرشد فيما يتعلق بالطعام والمياه والجو.

تمتعنا بنوم القيلولة والغداء خلال رحلة عودتنا، وانتهت الرحلة بمشاهدة الغروب فوق الكثبان الرملية، ثم عدنا إلى حياة المدينة مرة أخرى.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام