الثلاثـاء 19 رجـب 1424 هـ 16 سبتمبر 2003 العدد 9058
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

خانت العيش واللحمة.. الأسود تفترس عائلة «الحلو»!

القاهرة: جمال العمدة
«برمشة عين» يمكن للمدرب أن يوجه أسوده ويحادثهما دون أن يدري المتفرجون، وفي حوار صامت يجسد الأسد عرضاً يجعل مدربه في حالة نشوة وانتصار أمام الجماهير.

وبلغة سرية يطلب الأسد من مدربه أن يمسح على ظهره ليهتز بأردافه باعثاً رسالة حب لا تقل حميمية ودفء عن علاقة العاشق بمعشوقته، الأسد ومدربه لهما لغة للحب ولغة للتفاهم، ولغة لتلقي التعليمات وأخرى لتنفيذها، لهما قاموس خاص وثقافة مميزة، العقد بينهما هو الثقة المتبادلة في أوقات كثيرة يرفض الأسد أو النمر الاستعراض إذا ما عرف أن الحالة المزاجية لمدربه غير منضبطة، رغم أن العاملين مع الأسود داخل السيرك القومي المصري يحملون أكفانهم على أيديهم ويرددون الشهادتين كلما بدأ العرض، لكنهم يتحصنون دائماً بالثقة والأمان في أسودهم التي تربت على أيديهم.

لكن أحياناً كثيرة تتبدد هذه الثقة ويتمزق الأمان وتتمرد الأسود على مدربيها متجاهلة كل القوانين المتعارف عليها في حالة خيانة واضحة للعيش واللحمة التي أكلوها مع مدربيهم، وتفاجأ بأن الأسد يلتهم مدربه، وآخر يبتر ذراعه وأسد ثالث يلتهم طفلا فيقضي عليه تماماً.

المثير أن عائلة «الحلو» أشهر العائلات التي تعمل مع الأسود وتعيش معها منذ 1954، عندما بدأ الجد الأكبر «الحلو» بشراء نمر صغير عمره شهراً وقام بتربيه وصار صديقاً له وبعدها ورث أبناء العائلة حب الأسود وباتوا المسئولين عن تدريبهم في مصر حتى تم تأسيس السيرك القومي الذين يتولون إدارته بوصفهم متخصصين، ورغم أن عائلة «الحلو» نالت شرف التخصص في التعامل مع الأسود، لكنها على مر التاريخ تدفع أرواحها ثمناً لعشقها لتدريب الأسود ويعرضون أنفسهم دائماً للمخاطر، فمنذ يومين وقبل إنتهاء الموسم الصيفي لعروض السيرك المصري والأوروبي بالإسكندرية وفي أرض سان مارك بالشاطبي، شهدت ليلة دموية ومأساة كانت تودى بحياة مدرب الأسود والنمور (السيد محمد الحلو)، حيث فوجئ الجمهور بانقضاض «النمر حلمي» على مدربه فجأة من الخلف وحدث هرج ومرج بين الجمهور وتعالت الصرخات وتدخل جميع الحراس بإطلاق (4 طلقات خرطوش) على رأس النمر وسارع السايس فتحي قرني أبوسيف وابنه سنبل ودخلا القفص الحديدي الخاص بالعرض وضربوه بالشوك وجذبوه بصعوبة إلى أن تمكنوا من انتزاعه من بين أنياب «النمر حلمي» الذي أصيب بحالة هياج.

البداية كما يرويها أحمد سالم، المشرف العام على السيرك، بأنه كان موجودا بالسيرك وفجأة سمع هرجاً ومرجاً وسارع للخيمة وكانت المفاجأة، حيث وجد الحراس والسياس بداخل القفص وينهالون بالضرب على رأس «النمر حلمي» محاولين انتزاع المدرب منه وسارعنا بنقله بسرعة لأقرب مستشفى حيث كانت الدماء تسيل منه ودخل لغرفة العمليات وتم إنقاذه بأعجوبة والحمد لله أيضاً أن الجمهور خرج بسلام على الرغم من الصدمة الشديدة والرعب الذي عاشوه لحظة انقضاض النمر على مدربه.

وقال فتحي قرني، سايس النمور أن الفقرة الخاصة بالأسود والنمور كانت قد قاربت على الانتهاء وقدم «النمر حلمي» فقرته وعاد إلى الكرسي الخاص به وأعطى المدرب ظهره له ليأمر نمراً آخر بالعرض وفي تلك اللحظة انقض عليه «النمر حلمي» هائجاً وثائراً بدون مبرر والحمد لله تدخلنا بسرعة وفي الوقت المناسب لإنقاذ المدرب «السيد الحلو».

* الجوع كافر

* ولأن السيد محمد الحلو، يرقد في المستشفى في حالة خطرة لا يقوى على الكلام، ذهبنا إلى «فاتن الحلو» مدير السيرك القومي، والتي شهدت أحداث الجريمة منذ بدايتها لنعرف منها سبب ما حدث وما سر غدر الأسد بمدربه، فقالت:

نفسية الأسد لم تكن سوية بسبب سوء التغذية، ففي الفترة الأخيرة ضاق بنا الحال ولم نستطع توفير الأغذية للنمور، مثلما كان في الماضي وطلبنا من الدولة أكثر من مرة، لكن للأسف حمدي الجابري، مدير قطاع الفنون الشعبية، لم ينفذ تعليمات الدولة ولم يسأل فينا، صار توفير الغذاء عبئاً علينا وهذا يؤدي إلى تقصير بدوره يجعل مزاج النمر في حالة سيئة من مدربه وقد ينقلب عليه في أية لحظة وهذا ما حدث مع ابن عمي «السيد محمد الحلو» وهذا التفسير الوحيد للحادثة، فالعلاقة بيننا وبين النمور تقوم على الثقة المتبادلة ولن ينقلب النمر على مدربه إلا إذا كان هناك سبب يتعلق بحالته السيكولوجية.

وتؤكد فاتن الحلو كلامها قائلة: الأسود تعيش داخل بيوتنا وتأكل معنا منذ أن يكون عمرها شهرا وبعد أن يكبر ويصل عمره إلى ثلاث سنوات يتم وضعه داخل عرينه وتتم مشاركته فى الاستعراضات.

فى الوقت نفسه تجد مديرة السيرك أن الخطورة من النمور تبدأ بعد أن يصل عمره إلى 16 عاماً، إذ أنه يكون قد استنفز مشاعره وعاد إلى طباعه الوحشية، وهذا ينطبق على الأسد الذي ارتكب جريمته، ورغم أنه حزن كثيراً على الانقضاض على مدربه لكننا قررنا إعدامه انتقاماً منه للسيد الحلو.

* تقدير الذات

* بينما يوجد تحليل نفسي للعلاقة بين الأسد ومدربه، فحسب الدكتور هاشم بحرى، أستاذ الطب النفسي، فإن الأسد يتعامل نفسياً بتطبيق نظرية «تقدير الذات وتقدير الآخر» بمعنى أن النمر لو عرف أن مدربه يميز أحد عنه، ينقلب سيكولوجياً ويصبح مجبراً على التخلي عن مدربه لأنه يشعر بأنه سيتعرض لمحاولة غدر لذا تجده يبادر بالغدر والخيانة.

ويتذكر د. بحري، حادثة النمر الذي التهم «الحلو» الأكبر في حادثة قلبت الرأي العام في مصر قبل عدة سنوات، إذ أن الأسد مزق جسد الحلو لمجرد أنه حاول التهريج معه بدعوى أنه مدربه، بينما الأسد كان يضمر له نفسية سيئة، فتربص له الأسد وانقض عليه ولقي الحلو مصرعه بعد ثلاث ساعات من نقله إلى المستشفى.

سيناريو إنقلاب الأسود على مدربيهم أو العاملين معهم ودراما جرائمهم لم تنقطع على مر التاريخ، فعلى مدى 23 عاماً ظل سليمان عاشور 53 عاماً مسؤولاً عن الاعتناء والاهتمام بأسود ونمور السيرك القومي لأنه يعمل سايساً بالسيرك بمكافأة شهرية مائة جنيه فقط، ورغم أنه كان يدلل الحيوانات ويقدم لها طعامها وينظف حظائرها يومياً، إلا أن هذه الحيوانات تسببت في فقد ساقه اليسرى عندما حاولت التهامه.

سليمان كان صديقاً لهذه الحيوانات بعد أن هجرته زوجته بسبب دخله البسيط، وعندما عجز عن دفع أجرة شقة للعيش فيها أصبح ينام داخل السيرك، وكأنه واحد من حيواناته، وليس من العاملين به، وكان سليمان يرضى بحاله حتى حدثت الكارثة التي كادت تودي بعمره، عندما هاجمه النمر «محسن» وجذبه بسرعة وقوة خاطفة عندما كان سليمان يسير فوق قفصه ليمسك بساقة ويسقط سليمان من فوق الممشى المخصص لسير العمال أعلى أقفاص الحيوانات وأنشب النمر مخالبه في ساق سليمان حتى التهمها وبصعوبة استطاع زملاؤه جذبه بعيداً عن قفص النمر المتوحش، وتم نقله في حالة إغماء شديد إلى مستشفى العجوزة حيث تم بتر الجزء المتبقي من ساقه، ليصبح سليمان منذ يناير 2002 عاجزاً عن الحركة بعد أن غدرت به الحيوانات التي يحبها، وهجره البشر الذين لا يهتمون إلا بحياتهم الشخصية.

* افتراس الطفولة

* وفي نوفمبر 1997، وقعت أكثر حوادث قتل حيوانات السيرك لإنسان، عندما التهم الأسد «طارق» صبياً صغيراً عمره 16 عاماً يدعى أحمد محمد سليمان، هذا الطفل بطل لمأساة كبيرة، فوالده كان على خلاف مع والدته، فترك البيت، ولم تجد الزوجة ما تسد به رمق طفلها، وأحس الطفل بعجز والدته فترك المنزل باحثاً عن عمل بمنطقة شبرا الخيمة، كانت مهمته أن يقوم بوضع الماء في أقفاص الأسود مقابل جنيهات قليلة يحصل عليها في نهاية كل يوم، لكن حارس الأسود الأصلي وجدها فرصة لكي يريح نفسه من عناء تقديم الطعام للأسود وتنظيف أقفاصها، وأوكل هذه المهمة الصعبة للصبي الفقير المعدم، ولم يستطع الصبي الاعتراض، فالجنيهات القليلة التي يحصل عليها هي التي تسد رمقه، وقبل أن تمر عشرة أيام وبينما كان أحمد يضع الطعام للأسد «طارق» هجم عليه بشراسة لينشب فى جسده أنيابه ومخالبه وقبل أن يصرخ الطفل كان الأسد قد تمكن من الإجهاز عليه ليلتهمه تماماً، ولا يبقى منه سوى قطع من ملابسه الممزقة.

* موت محقق

* قبل هذا الحادث البشع بأشهر قليلة نجت مدربة الأسود «محاسن الحلو» وابنها «مدحت كوتة» من موت محقق أثناء مشاركتهما في عرض للأسود والنمور أقامه السيرك القومي بالإسكندرية، هاجم 15 نمراً وأسداً المدرب مدحت كوتة أثناء العرض وعندما تدخلت والدة المدرب «محاسن الحلو» لإنقاذ ولدها، هاجمتها الأسود أيضاً، سيطر الرعب على مشاهدي العرض لمدة نصف ساعة، وبصعوبة باستخدام السياط تمكنت المدربة وابنها من السيطرة على الأسود والنمور، لكن بعد إصابتها هي وابنها بعدة إصابات نقلا بسببها إلى مستشفى المواساة بالإسكندرية، وتتذكر محاسن الحلو هذا الحادث قائلة: الأسد «تومي» اخطأ أثناء العرض، فخاف أن يضربه مدربه بالسوط فانحرف ناحية النمر وزوجته فنشبت معركة بين الأسود والنمور هاجموا خلالها مدحت وعندما تدخلت لإنقاذه هاجمتني الأسود من الخلف فسقطت على الأرض وتدخل الحارس وأطلق عدة أعيرة خرطوش في اتجاه الأسود والنمور وتمكنا باستخدام السياط من السيطرة عليهم.

جرائم حيوانات السيرك القومي، لم تكن داخل مصر فقط، لكنها تجاوزت الحدود، فعندما كان السيرك يقدم عروضه بدولة الكويت صيف سنة 1987، كادت الطفلة شاهيناز ذات السنوات الثلاث تلقى مصرعها بين مخالب نمرة متوحشة لولا أن والدتها لاعبة السيرك ماجدة عاكف سمعت استغاثة ابنتها في اللحظات الأخيرة.

فبينما كانت الطفلة شاهيناز داخل قفص النمرة لتؤدي دورها الذي تأمر فيه النمرة بالخروج من القفص فتطيعها لتخرج في أثر 12 نمراً وأسداً أخرجها المدرب محمد الحلو من القفص، وعندما صفق الجمهور للطفلة الشجاعة دخل لاعبو السيرك جميعاً لتحية الجمهور، وأثناء ذلك خرجت النمور في ممر حديدى يؤدي إلى بيت الحيوانات المفترسة فخرجت شاهيناز تجري بجوار الحيوانات من خارج الممر، وفجأة مدت النمرة «عزة» يدها خارج القضبان وغرست مخالبها في جسد الطفلة وبدأت تجذبها نحوها لكي تلتهمها، صرخت الطفلة في رعب وفجأة انشقت الأرض عن والدة الطفلة لتمسك بها لتبعدها عن يد النمرة وعندما فشلت قامت بعض يد النمرة بأسنانها فتركت يدها وتمكنت بمساعدة بعض حراس السيرك من تخليص ابنتها من بين مخالب النمرة المتوحشة.

وتعرض مدرب آخر من عائلة «الحلو» لحادث بسبب أسود السيرك، فقد نجا المدرب ممدوح الحلو، من الموت المحقق عندما تعرض لهجوم من أحد أسود السيرك أثناء تقديم عرض للسيرك بمدينة العريش في أغسطس 2001، واستطاع المدرب الإمساك بالبندقية الخرطوش المخصصة للحراسة، وأطلق منها عدة أعيرة على الأسد الذي يهاجمه حتى تمكن من الإفلات منه بأعجوبة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام