الجمعـة 16 جمـادى الاولـى 1431 هـ 30 ابريل 2010 العدد 11476
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

«كيف تدرب تنّينك».. وتحب عدوك في الوقت ذاته

فيلم يتناول التعامل مع الحيوانات بين الترغيب والترهيب

لقطة من فيلم «كيف تدرب تنينك»
«إي تي».. فيلم ستيفن سبيلبرغ
«الطيور».. لألفرد هيتشكوك
هوليوود: محمد رُضا
فيلم «كيف تدرب تنينك» يدور حول كيف تحب عدوك وتقدره. إذا أخذت التنين، ووضعت عوضا عنه آدميا فإن أي عدو لك يصلح أن يكون الغاية المقصودة في الفيلم. قد يكون جارك أو رئيس عملك أو حماتك. قد يكون شعبا آخر أو قوما لديهم عادات وثقافات مختلفة. فيلم دين ديبوا وكريس ساندرز لحساب «دريمووركس أنيماشن» الذي انطلق قبل أسابيع قليلة يصلح لأن يكون نموذجا لرسالة سلام ككثير من أفلام الكرتون التي خرجت في السنوات العشر الأخيرة التي تبدو كما لو كانت تقول للراشدين، قبل الصغار: عليك أن تتفهم الآخر وتقبله، وخصوصا إذا ما كان، مختلفا عنك.

الجزء الأول من هذه الرسالة، حب العدو، موجود في سياق فيلم «أفاتار» حين يتقرب بطل فيلم جيمس كاميرون من شعب النافي المختلف تماما عن الأشكال البشرية، فإنه يفعل ذلك بغاية التجسس عليهم وتزويد القيادة المشتركة لقوات الأرض، حسب الفيلم، بالمعلومات التي ستسهل لاحقا القيام بمهاجمة ذلك الشعب. لكن المجند الجاسوس يرفض لاحقا الانصياع. لقد تعرف على العدو وهذا وحده فتح عينيه على حقيقة دوره. من هنا ولاحقا سوف ينضم إلى شعب النافي لكي يدافع عنه ضد الأرضيين.

في هذا الفيلم الكرتوني، ليس هناك شعب غير شعب الأرض، والقصة تقع في سالف الزمان أيام الفايكنغ. كل ما هناك هو الوحوش الأسطورية والتنين من بينها. البيئة التي ينتمي إليها بطل الفيلم الصبي هيكاب (صوت غاي باروشل) تعادي التنين وتعتبره حيوانا خطرا. لكن هذا ليس صحيحا. التنين، كما يقول الفيلم، مخلوق طيب وخدوم ويستطيع أن يفعل أشياء كثيرة تفيد الإنسان، كأن يكون بطلا لهذا الفيلم الذي جمع إلى الآن 180 مليون دولار في الولايات المتحدة وكندا، و177 مليون دولار حول العالم.

لكي يفعل ذلك، فإن معايير كثيرة تدخل سياق هذا الفيلم ومعظم ما نراه من أفلام الأنيماشن هذه الأيام. هيكاب، كما نتعرف عليه، فتي في مطلع سنوات الشباب يعيش في القرية الإسكندنافية التي تعمل في تجارة التنانين. أفرادها خبراء في صيد الحيوانات العملاقة وقتلها، خصوصا والده ورئيس القبيلة (غيرارد بتلر). في الحقيقة، هيكاب من النوع الذي يمكن أن نجده في كل عائلة أو قبيلة: المختلف عن السائد. الخروف الأسود كما يقولون في الغرب. لكن على هيكاب أن يحاول. لا ينفع أن يبقى مختلفا، بل عليه أن يتأقلم ويتدرب على صيد التنين، خصوصا أن الفتاة التي يرميها بالنظرات أستريد (أميركا فيريرا) هي محاربة ماهرة فيما أخفق فيه.

ذات يوم يجد تنينا مجروحا وهذا يضعه في مواجهة قرار حاسم: قتله أو إخفاؤه عن الأعين. وهو يختار إخفاءه عن الأعين ورعايته حتى يسترد صحته. خلال ذلك تنشأ بين الاثنين - هيكاب والتنين - صداقة هي التي يتناولها الفيلم وما ستتركه من آثار على هيكاب وعلى القرية جميعا.

كما أن عنصر «حب العدو» متوفر في فيلم «أفاتار» فإن إخفاء مخلوق قد يتعرض له الكبار بأذى متوفر في الفيلم المعروف «إي تي». هناك في ذلك الفيلم الذي أخرجه ستيفن سبيلبرغ سنة 1982 يكتشف الصبي إيليوت (هنري توماس) ذلك المخلوق الصغير الذي حط خطأ في الجوار الأرضي قادما في سفينة فضائية من كوكب بعيد. المخلوق الفضائي صغير الحجم وغريب الهيئة وطيب النية. وهو، والأهم، لديه خوف من أهل الأرض.. خصوصا الراشدين الذين نراهم يبحثون عنه في كل مكان. إيليوت يقوم بإخفائه إلى أن يتم تحديد المكان والزمان الذي على المخلوق البائس أن ينتظر المركبة التي ستقله عائدا إلى موطنه.

الفيلم، المعروض ببعدين كما بالأبعاد الثلاثة، يشبه «أفاتار» من ناحية أخرى وهي ولعه بالطيران. هذا التنين ما إن يتعافى حتى يأخذ هيكاب على ظهره ويطوف به. بهذا الفعل إنما يطوف بنا نحن كما فعل جيمس كاميرون. الطبيعية المتخيلة جميلة ألوانا وحركة الأنيماشن المنسابة بالغة التلقائية، كما لو أنها حقيقية (بل أفضل من الحقيقة) توفر ثراء في الصورة وتنعش القلوب التي لا تزال تجد في السينما رحابة من التفكير والأحاسيس.

جل الفيلم في الحقيقة يجعل المرء منا ينتبه إلى مسألتين بالغتي الأهمية في تأسيس وعينا بالأشياء كما في ملاحقة ما تعنيه مفاهيمها.

الأولى هي أنه فقط في أفلام الكرتون (ليس كلها طبعا) يمكن أن نجد ما اعتدنا على الهرب منه، مثل الوحوش الكاسرة، أو ما اعتدنا على ازدرائه وقتله (الفئران والجرذان) هو عكس ما تنادي به تلك الأفلام. الكلاب المتوحشة تصبح أليفة في «فوق». الثعالب تدافع عن نفسها قدر الإمكان ضد الإنسان وقوانينه وأطماعه في «مستر فوكس البديع»، الديناصورات مهددة ومن واجبنا حمايتها في «عصر الجليد»، والدب أليف وطيع في «كونغ فو باندا»، بينما هناك جرذ صالح وجرذ جشع في فيلم «راتاتوي».

وهذا، وسواه، في غضون السنوات الأخيرة، حياة ما بعد كارثة 2001 الثانية، هو أن هذه المخلوقات وغيرها الكثير على صنفيها الحقيقي (كالعناكب والدببة والجرذان) أو المتخيل (كالديناصورات والتنانين والوحوش الأخرى) لا تلعب دورا مماثلا لما هو متوقع في مخيلة المشاهدين إلا في أفلام الرعب.

بذلك يتواجه الصنفان رغم استخدامهما الأدوات ذاتها. هل الوحوش عدوة أو صديقة؟ يعتمد ذلك إذا ما كانت موجودة في فيلم رعب أو في فيلم أنيماشن. لكن إذ تعتمد سينما الرسوم المتحركة هذه الأيام، وأكثر من أي وقت مضى، على إلغاء العدو، من حق المشاهد العربي أن يسأل لمَ لم يتم تطبيق المبدأ ذاته حينما أنتجت «ديزني» فيلمها المسيء «علاء الدين» واصمة العرب بنعوت تصدى لها النقاد في كل مكان، بما في ذلك الدول الغربية.

في وسط هذا الموقف المتباين بين أفلام الأنيماشن وأفلام الرعب، يتبدى أن بعض أهم أفلام الرعب نجحت في رصد زاوية مختلفة لحديثها. طبعا فيلم سبيلبرغ «إي تي» كان غير متوقعا. المخرج المعروف قرر أن مخلوقات الفضاء، التي كان سبق لها وأن دمرت الأرض في عشرات الأفلام السابقة، كما عادت ودمرتها في أفلام لاحقة بينها فيلم سبيلبرغ اللاحق «حرب العالمين»، لا يجب أن تثير الخوف بل الحب. بذلك عالج الموضوع كمعالجة أفلام الأنيماشن اليوم. لكن رولاند إيميريك قرر أن الأفضل إبقاء العداوة قائمة بين أهل الأرض وأي مخلوقات متوحشة فدمر نيويورك في نسخته من «غودزيللا» ودمر واشنطن العاصمة في فيلمه المعروف «يوم الاستقلال» (الذي يقوم حاليا بالتحضير لجزء ثان منه).

هو بدوره حين لجأ إلى حكاية تتعامل والثقافات الأخرى، في فيلم «10000 قبل الميلاد»، لم يجد ما يثير اهتمامه بالتاريخ المصري القديم سوى إظهار المصريين ظالمين مستبدين بنوا الأهرامات على أكتاف العبيد.

لكن إذا ما كان ستيفن سبيلبرغ نجح في الإتيان بمفاجأة كبيرة حين أنجز «إي تي» سنة 1982 من حيث قلبه المعادلة المتوقعة، يجب ملاحظة أن السينمائي الكبير ألفرد هيتشكوك سبقه بتسعة عشر عاما حين أنجز فيلمه «الطيور»: ضاحية من ضواحي سان فرانسيسكو تعيش فيها مئات طيور الغراب تتعرض فجأة لهجمة تلك الطيور الجارحة واندفاعها المستميت لقتل الإنسان. إنه من بين تلك المشاهد الساخرة من كل مفاهيمنا عن الحياة ومعارفنا عنها، ذلك المشهد الذي تتحدث فيه امرأة عجوز عن الغرب كطير يحتاج إلى رعاية ودلال. فقط لنجد أن الإنسان هو من سيبحث بعد قليل عن ملجأ يقيه من هجمات الطيور السوداء.

ما إذا كان تعويد الصغار على عدم الخوف من الحيوانات الكاسرة، أو من أي حيوانات أخرى، أمر حميد أو لا، متروك لعلماء المجتمع وأطباء النفس (الذين ربما كانوا بحاجة لمن يحثهم على مشاهدة الأفلام هذه الأيام)، لكن المؤكد هو أن استخدام عنصر الحيوانات في السينما لا يمكن أن يكون حياديا. الكلب المخلص سيدافع عن صاحبه إلا إذا كان الفيلم مرعبا فسينقلب عليه ويلتهمه. سمك القرش لن يهاجم الشواطئ، إلا في فيلم ستيفن سبيلبرغ الشهير. الجرذان ستطبخ وتلهو وترقص أو ستتكاثر وتنطلق في المدن تنهش لحوم البشر. بدورها الأسماك المحتجزة في الأحواض التي تحلم بالعودة إلى المحيط، قد تكون على حق في اعتبارها أن الإنسان هو الخطر عليها، في حين أنها في أفلام أخرى هي الخطر على الإنسان.

في كلا الحالتين هذه الأفلام عليها أن تجنح إلى الفانتازيا لكي توصل رسالتها. وهنا تبدو كلمة فانتازيا بديلا لكلمة كذب، لكنه كذب مقبول في حالة إذا ما كان فيلم الأنيماشن أو فيلم الرعب مصنوعا بشكل جيد بما يساعده في إيصال رسالته بصورة فاعلة. في هذا الإطار فإن «كيف تدرب التنين» يبدو نموذجيا: يطلب منك أن تحب العدو ويمنحك حيوانا خرافيا تتعامل معه في سبيل هذه الغاية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام