الاثنيـن 20 جمـادى الثانى 1427 هـ 17 يوليو 2006 العدد 10093
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

فتة الكوارع المصرية.. فياغرا الفقراء

القاهرة: «الشرق الأوسط»
على مائدة فقراء مصر وفي طواجنهم الفخارية أكلات مرتبطة بثقافتهم الشعبية يعتقدون أنها مغذية وقادرة على زيادة قدرة الرجال الجنسية في الوقت نفسه، وبالتالي كانت الأسر المصرية ايام زمان تحرص على أن تجيد بناتها تحضير هذه الأكلات التي تنوعت بين الحمام بالفريك والكوارع، كما كانت الأمهات عندما تذهب الي خطبة فتاة تتأكد، إلى جانب امور أخرى، من إتقانها تحضير شوربة الكوارع وفتتها المزودة بالكرفس والخلنجان وجوز الطيب.

فالأخيرة فضلا عن كونها رخيصة الثمن، حيث يمكن ان تطعم «فردة الكوارع» الواحدة منها اسرة بكاملها، خصوصا انها ايضا لذيذة بما تحتويه من توابل وبهارات قادرة على «رم عظام» افراد الأسرة بكاملها بما فيها عائلها وهذا هو الأهم. فالكوارع تأتي الى الدار من أجله أساسا حتى تزيد من طاقته وتدفئه في ليالي الشتاء الباردة، لذلك ليس غريبا ان يعتبر طبق فتة الكوارع من الاطباق التي يحرص على تناولها المقبلون على الزواج وتعد الطبق الرئيسي في الولائم والليالي الملاح في المناطق الشعبية بالذات.

ذاع صيت الكوارع واشتهرت في مصر مما جعل الأغنياء ايضا يبحثون، وبالفعل لبى اصحاب المطاعم رغبتهم هاته وظهر الكثير من المطاعم في عدد من الأحياء الأثرية وفي المناطق السياحية التي أصبحت تقدم هذا الطبق للمصريين والأجانب بأسعار اعلى قليلا، لكنها تمني النفس بالآمال والأحلام التي كانت تعددها الجدات والأمهات، والتي تفيد انها أكله تعمر البيوت وتملؤها بالاطفال والسعادة. واستغلالا لهذه السمعة والشهرة والآمال، ومن اجل جذب الأنظار اليها اطلقت المحلات على أطباق الكوارع اسماء مثل «الفياغرا» و«النابالم» و«ضرب النار» وهي اسماء لها اشارات يفهمها المصريون، ويذهبون الى الأماكن التي تقدمها ويسألون عندما يطلبونها عن مكوناتها. واشتهرت في هذا السياق محلات مثل الركيب، وهذه المحلات منتشرة في الكثير من الأحياء في القاهرة، كما هناك محلات العهد الجديد الشهيرة في منطقة الحسين، ولا يتوقف وجود محلات الكوارع عند الأحياء القديمة فقط لأنها بدأت تنتشر في السنوات الأخيرة في احياء حديثة مثل المهندسين التي ظهرت فيها محلات مثل الحرم الحسيني والعمدة وبنت السلطان وهي جميعها تتنافس على تقديم طبق فتة كوارع خاص بها، احاطتها بالأساطير والحكايات المثيرة.

وفي الأحياء الشعبية تنتشر محلات فتة الكوارع كأكلة شعبية رخيصة الثمن يسمونها «فياغرا الفقراء» ويتراوح سعر الطبق ما بين سبعة جنيهات وعشرة جنيهات. وتعد فتة الكوارع من أرجل الذبيحة ويستلزم لطبخها القيام بخطوات عديدة تبدأ بتنظيفها جيدا قبل أن تقوم المطاعم المختلفة بإضافة البهارات والتوابل التي تجعل رائحتها مشهية يسيل لها اللعاب وتهفو لها القلوب. ولا تعرف لحد الآن أصول هذا الطبق التاريخية، وإن ارتبط بذاكرة المصريين منذ مئات السنين. البعض يشير الى انه طبق اشتهر به القصر المملوكي في عهد العثمانيين واشتهر أحد السلاطين العثمانيين بتقديمه في الحفلات والموائد حتى اصبح من الأطباق المملوكية الشهيرة التي تداولها الأغنياء فيما بعد وذاعت أكثر في الاوساط الشعبية.

هناك نوعان من الكوارع هما «الكندوز» و«البتلو» ويعد الأخير من افضل أنواع الكوارع لانه لا يستغرق وقتا طويلا في النضج عكس الكوارع الكندوز. والنوعان يتركان في الدقيق والليمون بعد إضافة الخل لها لمدة ساعة. تغسل مرة أخرى بالماء وتوضع في إناء على النار ويوضع فوق الكوارع البهارات والبصل والثوم المدقوق والطماطم ويغطى الإناء دون إضافة الماء مع مراقبتها باستمرار وكلما جفت المياه تضاف لها كمية اخرى. وعندما تبدأ رائحتها تعطر البيت وتبدأ في النضج تخفف درجة النار وتترك حتى تنضج تماما. وهناك محلات تقوم، بعد أن تنضج الكوارع، بوضع الشوربة في إناء آخر ثم يوضع الرقاق الخاص بالفتة ويتم تكسيره ووضعه في أناء الشوربة وهي تغلى حتى يتماسك قوام الرقاق مع الشوربة ويتم إطفاء النار عليها. بعد ذلك يضاف لها قليل من الثوم المدقوق والملح والفلفل في الزيت أو السمن حتى تحمر، ويصب قليل من الخل فوقها ثم توضع خلطة الثوم بالخل على الرقاق. وتشتهر مطاعم معينة في تقديم هذا الطبق مثل مطعم «الدهان» و«العهد الجديد» و«الركيب» في منطقة الأزهر والحسين، ولكثرة المترددين على المطعم من الطبقات الراقية اصبح لتلك المطاعم فروع اخرى في المناطق الراقية مثل مصر الجديدة والمهندسين لكنها لا تحقق النجاح نفسه الذي تحققه المطاعم الرئيسية في الأزهر والحسين، ربما لان البيئة والمناخ الشعبي يؤثران على جاذبية طبق فتة الكوارع.

فمما لا شك فيه ان المناخ المحيط بالطبق في المطعم الشعبي يضيف الكثير لمذاقه. وفي مطاعم الأحياء الشعبية مثل حي الحسين والأزهر، والسيدة زينب وعابدين لا تختلف لائحة الطعام والسلطات ولوازم طبق فتة الكوارع عن غيرها من المطاعم المنتشرة في الأحياء الفاخرة، وفيها يحمل إليك صبي المطعم طبق فتة الكوارع ومعه سلطات الخل والثوم وطاجن الفتة والمخللات ويحثك على الإسراع بتناول الطبق حتى تتاح المائدة لزبائن آخرين.حاولت المطاعم الراقية في مناطق مصر الجديدة والمهندسين نقل الطابع الشعبي لهذا الطبق عبر ديكورات تستخدم فيها الارابيسك والسجاجيد العربية وجلسات «الشلت» والإضاءة بمصابيح الحناطير لتضفي جوا تراثيا بلمسة فاخرة، حيث تستخدم الشوك والسكاكين والشموع والمناديل على الموائد لتمزج بين الطابع الشرقي والغربي.

ففي مطعم العمدة «الخمسينة» بحي المهندسين تخطو عدة درجات لاسفل لتواجهك ديكورات من الحجر الهاشمة وجلسات الشلت والشيشة العربي مع نادلين في غاية الأناقة بقمصان باللون الأبيض وربطات الفراشة «بابيون» باللون الأسود.

ويشرح الشيف محمد، طباخ المطعم طريقة تقديمه لطبق فتة الكوارع قائلا: انه يضيف نكهة خاصة للطبق عن طريق وضع الزبد والثوم والكزبرة الخضراء وعصير الليمون على شوربة الكوارع. أما بالنسبة لطبق الفتة فيحرص على أن يضيف إليه مشهيات وبهارات خاصة مثل جوزة الطيب والجزر والكرفس والكرات والهيل وورق اللوري والمستكة، مؤكدا إن لكل طباخ طريقة في تحضير طبق فتة الكوارع وخلط المقادير والبهارات بأسلوب يميزه ويؤكده مهارته، وهذا ما يسمى بـ «سر الصنعة» أو «سر الطبخة».

ويتم تقديم طبق الكوارع في طاجن فخار بينما يقدم طاجن آخر لفتة الكوارع ويتفنن كل مطعم في تزيين طبق الفتة بالطماطم والجزر والألوان التي تجذب العين وتفتح النفس.

وبجوار طاجن الكوارع وطاجن فتة الكوارع يقدم المطعم ما يسمى «التحابيش» أي الأطباق الجانبية لهذا الطبق الرئيسي وفقا لرغبة الزبون، فبعض المطاعم تجعل لهذه التحابيش أطباقا متعددة ومتنوعة، مثل طبق ورق العنب حيث يسخن ورق العنب على البخار ثم يتم تسقيطه في شوربة الكوارع كما تقدم بعض المطاعم فتة الكوارع المخلية دون العظم.

وتتفاوت الأسعار في المطاعم الراقية ما بين ثلاثين جنيها مصريا لطبق شوربة الكوارع إلى اربعين جنيها لطبق الكوارع والفتة. وهناك مواسم يزداد الطلب فيها على فتة الكوارع حسبما يقول إيهاب عوف مدير مطعم «بنت السلطان» بالمهندسين.

فخلال شهري ديسمبر ويناير في الشتاء وشهري يونيو ويوليو في الصيف، حيث موسم السياحة العربية يزيد الطلب على هذا الطبق، البعض يبحث عن الدفء والبعض الآخر عن أحلام وأسرار.

* طريقة إعداد الكوارع تغسل الكوارع جيدا بالماء والملح والفلفل، وتترك في الدقيق والليمون بعد إضافة الخل لها لمدة ساعة ثم تغسل مرة أخرى بالماء.

توضع على النار وتضاف إليها البهارات والبصل والثوم المدقوق والطماطم ويتم تغطية الإناء جيدا دون إضافة الماء مع مراقبتها باستمرار على أن تضاف كميات من الماء كلما جفت صلصلة التوابل، بعد أن تفوح رائحتها وتبدأ في النضوج تخفف درجة النار وتترك حتى تنضج تماما.

* طريقة تحضير فتة الكوارع تحضر طبقات الرقاق والثوم المدقوق والتوابل، وتوضع الشوربة الساخنة في إناء عميق ثم الرقاق الخاص بالفتة بعد ان يكسر في إناء الشوربة وهي تغلي حتى يتماسك قوام الرقاق. من جانب آخر يحمر الثوم المدقوق في الزيت أو السمن أو الزبد (وفقا للرغبة) حتى يكتسب الثوم لونا ذهبيا ويضاف الملح والفلفل والبهارات وقليل من الخل ثم تصب خلطة الثوم بالخل على الرقاق. يمكن إضافة الطماطم والجزر والكرفس لتزويق الطبق.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام