الجمعـة 21 جمـادى الاولـى 1425 هـ 9 يوليو 2004 العدد 9355
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

سمير نقاش مؤرخ اللهجة البغدادية والحالم بالعودة إلى الفردوس المفقود

رشيد الخيُّون

أتعب حلم العودة إلى بغداد الأديب العراقي اليهودي سمير نقاش، العودة إلى مرابع لم يشهدها غير ثلاثة عشر عاماً من عقوده السبعة، لم يفكر بطريقة للنسيان، بل وظف موهبته الروائية والأدبية لتنشيط ذاكرته ومقاومة النسيان، مع ما فيه من راحة ودعة له ولأسرته. فهو متزوج من سيدة مصرية عاشت يوميات بغداد من دون أن تراها، ولا تفكر بالرحيل إليها. ابنا سمير أخذا يعيشان تفاصيل حلم الأب، ويفكران بزيارة بغداد، بغداد الجنة التي طرد منها أبوهما. يتحدث إليهما، يجبرهما على النظر في ألبوم صوره، وهو يسبح في شريعة من شرائع دجلة، أو يجلس على رحلة الدراسة مع زملاء مسلمين ومسيحيين.

قد يفاجئك سمير نقاش بالحلم والوهم عندما يتذكر تفاصيل باب منزل الجيران وساحة المدرسة، ويرسم لك صورة عودته، وكيف سيحادث فلانا وفلانا، وكيف يسير في الزقاق عابراً إلى البتاوين ثم إلى شارع السعدون.. لا يريد سمير تصديق ما يقال اليوم عن محلة البتاوين وما فيها من عصابات نهب وسلب، والخالية من شبح صديق أو قريب أو زميل، أو صديقة لوالدته، وأصدقاء أبيه. إنه الحلم القابع في الرأس، والعاطفة المفترشة القلب. سأل سمير عن القوانين الجديدة، وهل صدر قانون أو مرسوم يسهل له تحقيق حلمه، يسهل له الخلاص من كابوس لا يغادر تلافيف ذاكرته، إنه الأمل المعذب، فهو لا يكتفي بالعودة وحسب بل يريد بغداد كما تركها، كتلة من الوئام الاجتماعي، وأسطورة في تكافلها العاطفي.

هاجر سمير نقاش من بغداد بصحبة أبويه، تاركاً خلفه بيتاً وأشجاراً طالما ظل يتسلقها بالغيب، حملَ والديه الإخفاق في تحقيق هذا الحلم، مع أن الأب لم يتحمل صدمة مخيم اللاجئين على أرض الميعاد التي لا تعنيه، بقدر ما يعنيه ترك الفردوس، أو الجنة على حد تعبيره. بعدها شعر سمير بكثبان الغربة وهي تدفن ذكرياته، التي كان يعيشها في ملامح الأب وأحاديثه، فعاد مهاجراً متنقلاً لا ترسو سفينته في مرسى، إيران ومصر وأميركا وبريطانيا، يطوف من دون توقف لعله يجد مَنْ يحقق له حلم العودة، هنا أخذ يخالف التوراة وكل يهود العالم إذ أصبحت بغداد أرض الميعاد، وهي الجنة الموعودة.

كرس نقاش حلمه الأبدي في أعماله الأدبية كافة، ودون أن يشعر تحول إلى مؤرخ للهجة البغدادية، التي انحسرت من أزقة ومحلات بغداد، بعد أن ملأت المقاهي والمدارس والدوائر الرسمية مفردات مفارقة لكيان العاصمة اللغوي، الثقيلة على لسان البغاددة. اختلفت الأيام وتداخلت المفردات وأخذنا نستخدم قاموساً عند قراءة روايات نقاش ذات اللغة البغدادية الصافية، وإن كُتب لكاتبها زيارة أرض ميعاده لشعر شعور أصحاب الكهف، لقد تغير كل شيء إلا سمير نفسه ظل كتلة من الوفاء لمكان لا يجد جنة الخلد عنه بديلاً.

مَنْ يسمع سمير نقاش وهو يطري أبي حيان التوحيدي، ويقرأ قصصه ورواياته حول بغداد حلمه ومسيحه المنتظر، سيكتشف أن التعلق ببغداد يجمعهما، والذود عنها وإن ظلمتهما، فالأول ظل ناسخاً في مكتبات وزراء وقضاة ليس لهم موهبته، والثاني أجبر على الهجر وفُرهدت داره، وظل يداري خذلانه بحلم أتعبه.

سمير نقاش العالم في اللهجة البغدادية يرى أن ما يكتبه من مفردات هي لغة البغداديين العباسية، وأن اليهود ظلوا يتداولونها حتى في مهاجرهم ومنافيهم، وهو الباحث المقتدر في تاريخ يهود العراق، والحاذق في الكتابة حول عاداتهم وأساطيرهم ومعاشرتهم من عهد بابل إلى عهد الهجرة الجماعية، ولم يبق لسمير من أبناء دينه غير بقية باقية مثلت في المكان مثول هند بنت النعمان في ديرها بالحيرة، تعيش ذكرياتها وتحرس قبور أسلافها. عموماً، الحياة والكتابة عند سمير نقاش عبارة عن مغامرة لتحقيق حلم شارد، فخزينه الروائي مستمد من الثلاثة عشر عاماً هي كل حياة الروائي، أما الثلاثة والخمسون عاماً من عمره فهي مجرد انتظار ومطاردة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام