الثلاثـاء 20 ذو القعـدة 1432 هـ 18 اكتوبر 2011 العدد 12012
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

المعيشة الضنك

د. عائض القرني

قال تعالى: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا».. المعيشة الضنك هي ضيق الصدر وتواصل الهم والغم والحزن والتسخط من القضاء والتبرم بأقدار الله والقلق والاضطراب وتمني الموت والإشراف على الانتحار كما قال المتنبي:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا تمنيتها لما تمنيت أن ترى صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا وليست المعيشة الضنك أن تسكن كوخا أو لا تجد مالا أو أن تفقد عضوا من أعضائك أو أن تصاب بمصيبة وأنت مع ذلك تملك الإيمان والصبر والقناعة وحسن الاتصال بالله في صلاة خاشعة وتلاوة متدبرة وذكر لله دائم، فأنت بهذا النهج في حياة طيبة كما قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهم أَجْرَهم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، فصاحب الحياة الطيبة راض بقضاء الله طائع لربه، متبع لرسوله، صلى الله عليه وسلم، يحمل القناعة في نفسه، والرضا في قلبه، يسلم لله فيما كتب من الأقدار، إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإن أذنب استغفر، وأجمل وصف له هو قوله، صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن»، أتريد أن ترى صاحب العيشة الضنك؟ سوف تجده في إنسان عاص فاجر تارك للصلاة ظالم لعباد الله عاق لوالديه قاطع لرحمه معترض على قضاء الله يلهث وراء المادة حينها تجده يعيش مهزوما مفتونا حائرا قلقا لأن الذي يملك السعادة هو الله وحده، فإذا أغلق الإنسان الباب الذي بينه وبين الله وقطع الحبل الواصل الذي يصله بالله فمن أين تأتيه السعادة؟ وسوف تشاهد في حياتك أهل العيشة الضنك الذين أعرضوا عن الهداية وألغوا المسجد من حياتهم والسجود لله، وهجروا القرآن وارتكبوا ما يسخط الله، وقد يجمع أحدهم مالا كثيرا ويملك ثروة هائلة ويجمع دورا وقصورا، لكنه في غم دائم وحزن مستمر، ولا يفهم من هذا أن الأغنياء والأثرياء دائما أشقياء، بل كم من غني ومؤمن صادق وعابد منيب يسكن قصرا مشيدا، وكم من فقير ممزق الثوب مفلس من المال وهو عدو لله، فالميزان ليس كثرة المال أو قلته أو فخامة المسكن أو بؤسه أو علو المنصب أو دنوه، إنما الشأن في قلب هذا الإنسان، في ضميره، في إرادته، فالسعادة تأتي من النفس المطمئنة المؤمنة، والشقاء والمعيشة الضنك تنطلق من قلب مارد جاحد، ومن ضمير خاو، ومن إرادة فاشلة، اقرأ قصصا عالمية لأثرياء وأغنياء جمعوا المليارات والبنوك، ومنهم من انتهى إلى الانتحار أو المرض النفسي أو الهستريا والهذيان وفقد العقل؛ لأنهم فقدوا البوصلة التي تدلهم على السعادة والحياة الطيبة المتمثلة بالإيمان الصادق والقناعة واستقامة الضمير والقيام بالحقوق والواجبات وإعطاء كل ذي حق حقه، لا تبحث عن السعادة في جمع الدولار والدينار واليورو والريال والدرهم، فإن كبار يهود العالم يملك الواحد منهم من الثروة ما لا تملكه دولة من الدول، لكنه جمعها من الربا والغش والنصب وغسيل الأموال، وهو مع ذلك محارب لله مكذب لرسله، معرض عن طاعته، فأين السعادة إذن؟ ولا تظن السعادة أن تسكن قصرا أو برجا عاجيا أو حديقة غناء، فقد سكنها قوم وملكها أناس، لكنهم لما أخطأوا طريق السعادة، حرموا الحياة الطيبة وعاشوا أشقياء بكدر وانزعاج حتى أتتهم القاضية، وفي المقابل وجد السعادة أناس يسكنون الخيام وينامون على الحصير ويأكلون خبز الشعير، لكنهم ما بين سجدة وتلاوة ودعاء وقناعة وصبر وشكر، فعاشوا سعداء وماتوا راضين عن الله، والله راض عنهم، فيا أيها الإنسان، فتش عن السعادة فيما أعطاك الله، في مواهبه الجمة، في نعمه الجزيلة، ومفتاح ذلك الإيمان به جل في علاه وامتثال أمره واجتناب نهيه مع حسن معاملة عباده، وقد جمعها، صلى الله عليه وسلم، في قوله: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن».

التعليــقــــات
بو مهرة، «الامارت العربية المتحدة»، 18/10/2011
جزاك الله خيرا يا شيخنا العزيز , واسال الله العلي القدير ان يجعل اعمالك هذه خالصة لوجهه الكريم آمين .
refka، «فرنسا ميتروبولتان»، 18/10/2011
السلام عليكم شيخنا الفاضل أنا رفقة من الجزائرمقال رائع و تنبيه بالغ عسى الله عز و جل يجعله في ميزان حسناتكم لو
سمحتم أستاذنا انشر لنا على الفيسبك مقالكم حول سيرة علي الطنطاوي رحمة الله عليه شكرا وجزاكم الله عنا كل خير
فكرة لموضوع وجمعنا له أمره وأمره شتى مع كل التواضع و الاحترام
HANI KHALIL، «فرنسا ميتروبولتان»، 18/10/2011
و لكن أيها الشيخ الجليل، أليست معيشة اليوم يصدق عليها حديث الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم (فباطن الأرض
خير لنا من ظاهرها) أو كما قال، و السلام
علي حسن شلش، «فرنسا ميتروبولتان»، 18/10/2011
اشهد الله اني احبك فيه ويعلم الله كم استفدت منك ومن كتبك ومقالاتك وكم كان كلامك مؤثر في حياتي واتمنى من الله ان
يحفظك لاهلك ولامتك ولوطنك واشكرك على كل نصيحة وكل موضوع مفيد تقدمه لنا فكلامك يرفع الهمم ودائما اسلوبك
سهل ويدخل الى القلب مباشرة جزاك الله عنا كل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحمد محمد الشويرخ، «فرنسا ميتروبولتان»، 18/10/2011
بارك الله فيك شيخنا الفاضل, صدقت بما قلت ولم تقل إلا الحق وكم منا حرم السعادة عندما يجري وراء الماده وينسى يوم
الآخره. كما منا يقتني كتاب الله في بيته ولكنه جعل طبقات الغبار تتراكم فوقه. فلو أزال الغبار عن القرآن لوجدته سعيداً
مستنير القلب بشوش الوجه.اللهم أحينا حياة طيبه سعيدة وبارك لنا في علمائنا واجزهم عنا خير الجزاء
لؤي حاتم من العراق، «فرنسا ميتروبولتان»، 18/10/2011
السلام عليكم ان الايات على ما ذكرته كثيره .شيخي الجليل لدي سؤال بحثت عنه في المشايخ والكتب ولم اجد جوابا فلعلي
اجد لدى شيخي عائض الاجابه .لماذا خص الله العلي القدير منطقتنا (وادي الرافدين ووادي النيل والجزيره العربيه )
بالرسل والانبياء وشكرا
علي شيخ الاكوع، «المملكة العربية السعودية»، 20/10/2011
جزاك الله خيرآ يا شيخنا وزادك الله علما وفقها في الدين
نورالدين الشغيل، «السودان»، 20/10/2011
مقال في منتهى الجمال فكم ذو حظوة في الدنيا انشغل بها وملك من المال ما الله به عليم تراه مكدرا ضيق النفس كانما
يصعد الى السماء وكم من فقير لا يملك غير الذكر والاستغفار تراه منشرح الصدر باسم الوجه. فالسعادة من بات امن في
سره معافاً في جسده عنده قوت يومه فكانما ملك الدنيا.بارك الله فيك يا شيخنا والله انها لنزلت عندي في جرح.
أنس، «فرنسا ميتروبولتان»، 20/10/2011
جزاك الله خيراً ياشيخنا العزيز وأسأل الله العلي القدير أن يبارك لك في علمك .
عدنان وهبي حميد، «فرنسا ميتروبولتان»، 20/10/2011
جزاك الله خيرا ياشيخنا وزدنا من مقالتك الرائعة لما فية الفائدة للجميع واكرر شكري لكم ولجريدتنا الاروع وزشكرا
العراقي، «فرنسا ميتروبولتان»، 20/10/2011
بارك الله فيك يا شيخنا العزيز، حقا انك من ممن نفتخر به امام الشعوب الاخرى.
أحمد يحيى موسى، «فرنسا ميتروبولتان»، 20/10/2011
شيخنا الجليل الدكتور/عائض القرني ، جزاك الله عنا كل خير ، فإن كثير من الخلق لا يستدركون معنى هذه الحياة الفانية،
والهدف منها ، فيا ليت قومي يقراؤن مقالتك البليغه هذه ويعتبروا بها ، فهي تحفذ بالأعتصام بالله والتوكل عليه في كل
شيء ، وتعرف بالحياة الكريمة التى قدرها الله سبحانه وتعالي للأنسان ، في الدنيا والأخرة ، بارك الله فيك وكثر من
امثالك من الدعاة .
محمد القرني، «الولايات المتحدة الامريكية»، 20/10/2011
جزاك الله خير ياشيخ والله العظيم أني أحبك في الله وانا من المتابعين لك في كل برامجك ومقالاتك ومحاضراتك، فجزاك
الله عنا خير الجزاء وبارك في سعيك وسدد على الخير خطاك وأحسن مثوبتك
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام