الجمعـة 12 ذو القعـدة 1425 هـ 24 ديسمبر 2004 العدد 9523
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

الهبة والهبة المعوَّضة والفرق بينهما وبين البيع

د. عبد الهادي الحكيم*

تعرف الهبة في المعجم العربي بأنها: العطية الخالية عن الاعواض والاغراض. وتواهب الناس: وهب بعضهم لبعض، قال تعالى: في محكم كتابه المجيد: «ووهبنا له إسحق». وقال سبحانه: «الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق». وفي الحديث النبوي الشريف ورد قوله صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت إلا اتّهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي». قال أبو زكريا يحيى النووي: الهبة، والهدية، وصدقة التطوع، أنواع من البر متقاربة، يجمعها تمليك عين بلا عوض فإن تمحض فيها طلب التقرب الى الله تعالى باعطاء محتاج، فهي صدقة، وان حملت الى مكان المهدى اليه اعظاما له واكراما وتوددا فهي هدية، والا فهبة.

الهبة في المصطلح الفقهي: يعرف فقهاء المذاهب الاسلامية الهبة بتعريفات متقاربة فقد عرفها قسم من فقهاء المذهب الجعفري بأنها: العقد المقتضي تمليك العين من غير عوض تمليكا منجزا مجردا عن القربة وقد يعبر عن الهبة بالنحلة والعطية.

وعرفها فقهاء المذهب الحنفي بأنها: تمليك العين بلا شرط العوض في المال. بينما عرفها فقهاء المذهب المالكي بأنها: تمليك لذات بلا عوض لوجه الموهوب له وحده، وتسمى هدية. اما فقهاء المذهب الشافعي فقد عرفوها بتعريفين معناهما العام هو: تمليك تطوع حال الحياة وقد ورد في معجم المغني في الفقه الحنبلي تعريف الهبة أو الهدية بأنها: تمليك في الحياة بغير عوض للتقرب الى المهدى اليه والمحبة له.

والعطية تطلق على الاعطاء المتبرع به، فتشمل الوقف والصدقة والهبة والهدية والسكنى، ومن ثم اطلق بعض الفقهاء عليها اسم العطايا، وعنونها بكتاب، فيكون أعم من الهبة، والنحلة اما الهبة فهي اعم من الصدقة، لاشتراط الصدقة بالقربة.. ومن الهدية لاشتراط الهدية بالنقل الى المهدى اليه من المهدي، اعظاما وتوقيرا له، ولهذا لا يطلق لفظ الهدية على العقارات، فلا يقال مثلا: اهدى له دارا، ولا يقال اهدى فلان ارضا، بل يقال: وهب له ذلك. ولا يشكل على التعريفات المتقدمة خروج الهبة المشروطة بعوض مع انها احد فردي الهبة، فإن العوض ليس في مقابل العين الموهوبة، وعوضا عنها، بل التمليك فيها مجاني، لكنه مشروط بتمليك مجاني آخر، كما سيأتي.

الهبة المعوضة: الهبة المعوضة هي: تمليك اشترط فيه العوض. أو هي: تمليك بغير عوض مالي، ولكن بعوض لنفس التمليك.. فإن العوض فيها كما عرفت لنفس الهبة لا للعين الموهوبة، ومن هنا دخلت الهبة المعوضة في مطلق الهبة وصارت من اقسامها.

فهي تمليك مال بلا عوض للمال، وانما العوض بازاء التمليك بمعنى انها تمليك بازاء تمليك، لا مبادلة مملوك بمملوك، ولذا لا تقع بلفظ وهبتك هذا بهذا.

ذلك ان طبيعة الهبة بما هي هبة لا تستدعي العوض، ولا عدم العوض، بل يجوز ان تكون معوضة وغير معوضة، وعلى هذا فلا مانع ان يهب شخص شيئا لآخر بشرط ان يهب الموهوب له شيئا، أو يقوم بالتزام معين من خلال فعل أو ترك.

قال الشيخ صاحب الجواهر: المراد من عدم العوض عدم لزوم ذلك في الهبة لا عدم جوازه فيها. وفرق واضح بين عدم اللزوم والوجوب وبين عدم الجواز، فإن عدم اللزوم لا يتنافى مع وجود العوض. اما عدم الجواز فإنه يأبى وجود العوض اباء كليا والهبة المعوضة، ومنها المشروطة، أو التبرع بشرط عوض او التزام، هبة مشروعة ولازمة، يدل ذلك على ما جاء في صحيح عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (رضي الله عنه) قوله: اذا عوض صاحب الهبة فليس له ان يرجع. والى ذلك ذهب الفقهاء على اختلاف مذاهبهم الفقهية.

اما عند فقهاء المذهب الجعفري وقد تقدم واما عند غيرهم من فقهاء المذاهب الاربعة فقد نصت مجلة «الاحكام العدلية» على صحة الهبة بشرط عوض، ومثلت له بما لو وهب احد عقارا مملوكا له لآخر بشرط ان يقوم بنفقته حتى الممات، وكان الموهوب له راضيا بإنفاقه حسب ذلك الشرط، فليس للواهب اذا ندم الرجوع عن هبته واسترداد ذلك العقار. وبصحة الهبة واعتبار الشرط قال علي حيدر ايضا. وورد في مسند الامام زيد قوله: حدثني زيد بن علي عن ابيه عن جده عن علي (رضي الله عنه) قال: من وهب هبة فله ان يرجع فيها ما لم يكافأ عليها. كما ورد ذكر الهبة المعوضة في كتب الاباضية ايضا.

الفرق بين الهبة المعوضة «المشروطة بعوض» والبيع: تختلف الهبة المعوضة «المشروطة بعوض» عن البيع في ان البيع تمليك عين بعوض بحيث يكون العوض عوضا عن المبيع لا عن البيع، بخلاف الهبة المعوضة، فإن العوض فيها ليس عوضا للمال الموهوب، بل هو عوض عن نفس الهبة، سواء ذكر بعنوان: وهبتك على ان تهبني، أو على ان تخيط لي ثوبا، ففي كلا الفرضين الهبة في الاول، وخياطة الثوب في الثاني، عوض عن نفس الهبة، وما دام الموهوب له لم يعوض الهبة فللواهب الرجوع في هبته، الا اذا كانت لذوي الارحام فإنه لا يرجع فيها الا مع امتناع الموهوب له من الوفاء بالشرط.

وبعبارة أخرى فإن الفرق بين الهبة المعوضة والبيع هو: ان الهبة المعوضة عبارة عن التمليك الذي اشترط فيه العوض. وعلى هذا فهي ليست انشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة، ولو كانت كذلك لم يعقل تملك احدهما لأحد العوضين من دون تملك الآخر للآخر، مع ان ظاهر كلام الفقهاء في الهبة المعوضة هو عدم تملك العوض بمجرد تملك الموهوب له الهبة. بل غاية الامر ان الموهوب له لا بد له من انشاء تمليك العوض نتيجة اقتضاء الشرط في ما وهب له، وان لم يفعل كان للواهب الرجوع في هبته نتيجة اقتضاء عدم العمل بالشرط. ويترتب على ذلك ان التعويض للهبة سواء اشترط فيها ام لم يشترط: عبارة عن تمليك جديد يقصد به وقوعه عوضا، لا ان حقيقة المعاوضة والمقابلة مقصودة في كل من العوضين. ويتضح مما تقدم: ان البيع يختلف عن الهبة المعوضة اختلافا اساسيا، حيث ان حقيقة البيع: هي تمليك العين بالعوض، وهذا لا يكون هبة معوضة وان قصدها بينما حقيقة الهبة المعوضة هي: التمليك المستقل مع اشتراط العوض في تمليك مستقل يقصد به العوضية، وهذا ليس معاوضة حقيقية مقصودة في كل من العوضين. وبهذا يبطل ما يقال من ان الهبة المعوضة هي بيع كما يذهب لذلك بعض فقهاء المذاهب الاربعة لوجود الاختلاف الحقيقي في معنيهما. يقول صاحب كتاب بيان الطالب في شرح المكاسب: وحاصل المراد انه تارة تكون المقابلة بين المالين.. وهذا يكون بيعا، وأخرى ان لا يكون في البين مقابلة بل تمليك وشرط، وهو على الوجهين: احدهما: ان يهبه مالا على ان يعوضه شيئا. وثانيهما: ان يهبه مالا على ان يكون الشيء الفلاني ملكا له فالاول. بنحو شرط الفعل. والثاني بنحو شرط النتيجة. وهذا يكون هبة على كلا الوجهين. فالشرط في الهبة ليس عوضا، ولذا لا يضر تخلفه في ملكية الموهوب، بل انما يؤدي ذلك الى ان يرجع الواهب في هبته ان اختاره وثالثة: ان تكون المقابلة بين التمليكين، كأن يقول ملكتك هذا بتمليكك اياي كذا، وهذا بعيد عن معنى البيع، واجراء حكم الهبة المعوضة عليه مشكل ايضا، اذ لو لم يملك الثاني هنا لم يتحقق التمليك في الاول، فالأولى ان يقال انه مصالحة وتسالم على امر معين. وقد توسع الفقهاء في بيان اقسام الهبة المعوضة بما لا يسعه هذا المختصر.

* أكاديمي وباحث عراقي مقيم في بريطانيا

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام