الاحـد 23 رمضـان 1430 هـ 13 سبتمبر 2009 العدد 11247
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

فقدان الشهية العصبي.. التشخيص والعلاج

يلحق أضرارا فادحة ويقود إلى تغيرات في التفكير والمشاعر والسلوك

كمبردج (ولاية ماساشوستس الأميركية): «الشرق الأوسط»*
أعلنت «وكالة أبحاث الرعاية الطبية وجودتها»Agency for Healthcare Research and Quality (AHRQ) أن عدد حالات التنويم في المستشفيات بسبب اضطرابات الأكل قد ازداد في القرن الجديد. وكانت حالات فقدان الشهية العصبي anorexia nervosa من أكثر الحالات تشخيصا بنسبة 37 في المائة لعامي 2005 و2006، أي بزيادة 17 في المائة عن عددها لعامي 1999 و2000. أما التشخيص الثاني الأكثر شيوعا الذي تلاه، فهو مرض الإفراط في الأكل (البوليمبا) العصبي bulimia nervosa الذي يتسم بتناول الطعام بكثرة ثم الاستفراغ، إذ وصلت نسبة الحالات إلى 24 في المائة في السنة المنتهية.

وتؤثر حالة فقدان الشهية العصبي على نحو واحد من كل 200 أميركي خلال حياتهم (ثلاثة أرباعهم من النساء). ويترجم الاسم anorexia من اليونانية في العادة إلى تعبير «فقدان الشهية»، إلا أن الأمر ليس كذلك، فالمصابون بهذا الاضطراب لا يفقدون شهيتهم، بل يجاهدون عمدا لكبحها، وهم متخوفون في آن واحد من زيادة وزنهم ومقتنعون بأنهم بدينون، حتى وإن كانوا نحيفين. وبالنتيجة فإنهم يجوعون أنفسهم حتى النقطة التي تتعرض فيها حياتهم إلى الخطر.

وفي أكثر الحالات شدة، تظهر لدى المصابين مضاعفات تهدد حياتهم، مثل خفقان القلب، فشل الكلى، وفشل الكبد. وهذا هو أحد الأسباب التي تشير إلى أن فقدان الشهية العصبي هو واحد من الاضطرابات العقلية القاتلة، التي تؤدي إلى هلاك 5.6 في المائة من المصابين بها خلال 10 سنوات من إصابتهم.

وعلاج هذه الحالة مليء بالتحديات لأن التجويع لا يؤدي إلى حدوث أضرار حادة في الجسم فحسب، بل وفي العقل أيضا، إذ إنه يحدث تغييرات في التفكير، والمشاعر، والسلوك، يكون من الصعب إعادتها إلى أصلها.

* عوامل الخطر والتشخيص

* إن فقدان الشهية العصبي اضطراب معقد، متعدد الأوجه، يمكن أن يظهر منذ عمر 8 سنوات، إلا أنه غالبا ما يبدأ بين عمري 15 و18 سنة. ولم تجد دراسة وطنية شاملة في الولايات المتحدة حالات جديدة بعد وصول الذين استطلعت آراؤهم إلى منتصف العشرين من عمرهم. وهذا يفترض أن لجوء المرضى البالغين إلى العلاج يعني أنهم كانوا يعانون بشدة من فقدان الشهية العصبي من قبل.

كما تفترض دراسات أجريت على التوائم أن فقدان الشهية العصبي حالة متوارثة بنحو 71 في المائة (نفس نسبة اضطراب الوسواس القهري تقريبا)، مما يشير إلى أن الجينات تساهم في تقبل هذا المرض، أكثر من مساهمة العوامل البيئية المحيطة. وإضافة إلى ذلك فإن بعض خصائص الشخصية، مثل اتجاه الشخص نحو الكمال في تنفيذ مهماته، وعدم الرضا عن الجسد، والهواجس المتسلطة والسلوكيات المرتبطة بها، قد تهيئ مسبقا الأشخاص لحالات فقدان الشهية العصبي. وتشمل عوامل الخطر الأخرى التاريخ السابق للقلق، الكآبة، أو الإدمان، أو التعرض للضرب أو الانتهاك الجنسي.

أما العوامل البيئية مثل المجلات أو المواقع الإلكترونية التي تروج لعارضات الأزياء النحيفات فقد تحض على بداية الإصابة باضطراب فقدان الشهية العصبي. وقد تدفع هذه الإشارات الخارجية الأشخاص الحساسين لإنقاص أوزانهم، الأمر الذي يقود إلى تصعيد حالة الشعور بتوجهات متسلطة للحد من تناول الطعام للوصول إلى حجم صغير للجسم.

ويورد دليل التشخيص والإحصاءات الخاصة بالاضطرابات العقلية في طبعته الرابعة IV)ـ (DSM، قائمة بالمعايير الخاصة بالتشخيص (انظر الإطار)، وهو يصف نوعين فرعيين من حالة فقدان الشهية العصبي. وفي النوع الأول (الصارم) يقوم المصابون، بشكل قاس، بتقليل تناول الطعام. أما في النوع الثاني (الأكل بلذة ثم الاستفراغ) فإن المصابين يفقدون وزنهم بإجبار أنفسهم على التقيؤ أو يستخدمون الملينات والمسهلات أو الحقن الشرجية. كما يمكن أن يزاول مرضى فقدان الشهية العصبي الرياضة بشكل زائد عن الحد بهدف إنقاص الوزن.

وما أن ينقص الوزن إلى الحد المطلوب لتشخيص حالة فقدان الشهية العصبي، حتى يأخذ المصابون ربما بالتعرض إلى تغيرات في التفكير، مثل صعوبة التركيز، كما قد تظهر لديهم عادات غذائية غريبة، مثل تقسيم الطعام إلى أجزاء صغيرة، وتناول الطعام في أوقات معينة، وكذلك القيام بوزن كميات الطعام. وقد تساعد زيادة الوزن لاحقا في التحسن للتخلص من هذه المشكلات النفسية، إلا أنها نادرا ما تؤدي إلى زوالها نهائيا، ولذلك بالضبط يصبح «علاج الإدامة» مهما.

* قرارات العلاج الأولية

* المصابون بفقدان الشهية العصبي لهم علاج متعدد الجوانب يشمل الدعم الموجه للعناية بتغذيتهم، تقديم المشورات النفسية، وتعديل السلوك. ووفقا لظروف المصاب، فإن العلاج يمكن أن يجري خارج المستشفى أو بشكل كلي أو جزئي في عيادة محلية. ومهما كانت ظروف العلاج فإن دعم الأسرة حيوي أثناء علاج الأطفال والمراهقين المصابين بفقدان الشهية العصبي (انظر طريقة مودزلي).

ويحدد وزن المصاب في العادة نطاق العلاج وقوته. وعموما فإنه إذا فقدت فتاة بالغة 15 في المائة أو أكثر من وزن جسمها المثالي، فإن من الواجب إدخالها للعلاج في المستشفى أو توفير برنامج محكم للعلاج خارج المستشفى. ولأن الأطفال والمراهقين يعانون من أضرار في النمو لا يمكن إيقافها عندما يتعرضون إلى سوء التغذية، فإن العلاج داخل المستشفى يكون ضروريا، حتى وإن لم يصل النقص في وزن أجسامهم إلى نسبة 15 في المائة.

وتوصي جمعية أطباء الأمراض العقلية الأميركية في إرشاداتها العلاجية أيضا أخذ عوامل أخرى عند اتخاذ القرارات. وهي تشمل سرعة فقدان المريض للوزن، وحصول مضاعفات طبية لديه.

* طريقة مودزلي

* للأطفال والمراهقين الذين عانوا من فقدان الشهية العصبي لفترة تقل عن ثلاث سنوات (الأمر الذي يشير إلى أن الاضطراب لم يصبح مزمنا)، فإن العلاج الأكثر فاعلية هو «طريقة مودزلي» Maudsley method، وهو العلاج الذي يعتمد على الطريقة التي تم تطويرها في مستشفى مودزلي في لندن. وتؤكد هذه الطريقة التي تتكون من ثلاث مراحل على دور الأسرة في العلاج.

في المرحلة الأولى، يعمل الأطباء معا مع الوالدين والإخوة بحيث يتعلمون كيف يضعون الاستراتيجية اللازمة لتدريب وتشجيع المرضى على تناول كميات أكثر من الطعام، رغم أن عناصر التغذية تتحدد من قبل الأسرة. وفي المرحلة الثانية، وبعد أن يأخذ المرضى الأطفال بالأكل بشكل طبيعي أكثر ويزداد وزنهم، يتحول الاهتمام نحو التعرف على جوانب حياة الأسرة التي يمكنها أن تعيق الشفاء. ثم وفي المرحلة الثالثة، وبعد وصول الطفل إلى وزنه الطبيعي، يعمل الأطباء مع المرضى والأسرة لتحسين العلاقات بين أفرادها، وجعل الطفل مستقلا أكثر.

* العلاج الغذائي

* إن المرضى الذين يدخلون إلى عيادات العلاج غالبا ما يكونون من المعانين من سوء التغذية الشديد. ولأن التجويع يؤثر على تفكيرهم فإنهم يكونون على الأكثر سلبيين، ويعانون من دوافع متسلطة، ومتلاعبين. وفي هذه المرحلة فإن أي علاج نفسي يتطلب من المصاب التأمل، ولو قليلا، في وضعه، سيكون فعالا. وبدلا من ذلك فإن الافتراض بأن المصاب مستقر من الناحية الطبية، قد يقود إلى تشجيعه على زيادة وزنه.

ويزاوج الأطباء في الغالب بين عملية الدفع الإيجابي ـ مثل الثناء عند الحصول على زيادة في الوزن ـ مع المراقبة الدقيقة، مثل الجلوس قرب المريض للتأكد من أنه يتناول الطعام، وقياس وزنه بانتظام. والتحدي الكبير هو إجراء هذه المرحلة من العلاج بطريقة يتعاطف فيها الطبيب مع المريض، بدلا من طريقة فرض العقوبات.

وعلى الرغم من اختلاف فقرات تنفيذ البرامج فإنها كلها توجه لزيادة تدريجية في كميات السعرات الحرارية التي يتناولها المريض، والحد من ممارسته للتمارين الرياضية، بهدف زيادة وزنه. وفي المستشفى تكون الزيادة بمقدار 2 إلى 3 أرطال (900 غرام إلى 1.25 كيلوغرام تقريبا) أسبوعيا هدفا معقولا. أما في العيادة الخارجية فإن الزيادة بين نصف رطل إلى رطل واحد (225 إلى 450 غراما تقريبا) تكون هي المطلوبة.

أما المرضى الذين يرفضون تناول الطعام، أو الذين يتعرضون فعلا لخطر الموت نتيجة سوء التغذية، فقد يتطلب علاجهم التغذية الصناعية، إلا أن هذه الطريقة تعتبر آخر الحلول، لأن أنابيب التغذية تحد من هدف العلاج نفسه، أي هدف ابتعاد المريض بنفسه عن مخاطر المشكلات الطبية ووضعه لأهدافه بنفسه، لحياة مرضية وممتعة.

* خيارات الأدوية

* على الرغم من أن الأدوية غالبا ما توصف للمصابين بفقدان الشهية العصبي، فإن هناك قليلا من الأدلة التي تدعم ضرورة استخدامها، إما بهدف زيادة الوزن أو لإزالة الألم النفسي، على الأقل أثناء المراحل الأولى من العلاج.

* مضادات الاكتئاب: استنتجت دراسة مراجعة لمؤسسة «كوشران» أنه لا توجد أدلة كافية للتوصية بإعطاء مضادات الاكتئاب، إما بهدف زيادة الوزن أو لعلاج الأعراض النفسية لدى المصابين بفقدان الشهية العصبي، إلا أن جمعية أطباء الأمراض العقلية تختلف حول النقطة الثانية، إذ إنها تنصح بأن توليفة من مثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائية (SSRI) selective serotonin reuptake inhibitors والعلاج النفسي قد تساعد في تخفيف الكآبة والقلق أو أفكار الهواجس المتسلطة لدى بعض المصابين من الذين زادوا من وزنهم.

وعلى المصابين بفقدان الشهية العصبي تجنب تناول مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات tricyclic antidepressants، وكذلك مثبطات إنزيم الـ«مونوأمين أوكسيديز» monoamine oxidase inhibitors، لأنهم سيعانون من مضاعفات خطيرة. كما نشرت «وكالة الغذاء والدواء الأميركية» (FDA) تحذيرا داخل «صندوق أسود» (وهو أقصى تحذير) من استعمال «بوبروبيون» bupropion («ويلبترين» Wellbutrin) من قبل الأشخاص المصابين باضطرابات الأكل، وذلك بسبب المخاوف من ازدياد مخاطر حدوث نوبات التشنج لديهم.

* مضادات الهوس: على الرغم من أن تقارير عن بعض الحالات ونتائج لبعض الدراسات الصغيرة غير المراقبة، تفترض أن أدوية الجيل الثاني من مضادات الهوس (الذهان) antipsychotics تساعد بعض المصابين بفقدان الشهية العصبي، فإنه لا توجد أبحاث معمقة حول هذا الموضوع. وأحد الأمثلة على تلك التقارير أن شركة منتجة لدواء «أولانزابين» olanzapine («زيبريكسا» (Zyprexa مولت دراسة مراقبة عشوائية استنتجت أن الدواء أفضل من الحبوب الوهمية في تخفيفه للهواجس المتسلطة وللقلق أثناء وجبات الطعام لدى المصابين بفقدان الشهية العصبي. إلا أن هذه الدراسة شملت 34 شخصا وأحدثت فوائد قليلة فقط. ففي بداية الدراسة كان متوسط مؤشر كتلة الجسم لدى مجموعتي الرجال والنساء نحو 16، أي أن المشاركين كانوا في نطاق النحيفين جدا. وبنهاية الدراسة ازداد هذا المؤشر إلى 19.7 للنساء اللاتي تناولن الحبوب الوهمية و20.3 للواتي تناولن دواء «أولانزابين»، وكل من المؤشرين يقعان في الحد الأدنى من نطاق الوزن القليل.

* العلاج النفسي

* وعندما يتمكن المصاب من زيادة وزنه، يمكن له الاستفادة من العلاج النفسي والسلوكي، ويصبح هدف العلاج هنا هو مساعدته للتعرف على الأفكار المشوهة حول الطعام، والعثور على سبل أفضل للتعامل مع مشاعره وتوتراته، وتجنب العودة إلى حالته السابقة، وهذا قد يتطلب من المصاب والطبيب بعض الوقت والعمل الدؤوب. ويكمن التحدي عند تجنب المصاب العودة إلى الحالة السابقة، في أن 50 في المائة من المصابين الذين نجحوا في زيادة أوزانهم بعد علاجهم داخل المستشفى، يرجعون إلى حالتهم السابقة خلال عام من خروجهم من المستشفى. كما تشير الدراسات البعيدة المدى إلى أن 50 إلى 73 في المائة من الذين عولجوا في مراكز المستشفيات التعليمية سيظلون يقعون ضمن معايير تشخيص اضطراب فقدان الشهية العصبي، حتى بعد مرور 10 سنوات من خروجهم منها.

إلا أن الأدلة تكون أقوى عند توظيف العلاج النفسي لتحسين فرص الشفاء لدى البالغين. فالعلاج الإدراكي السلوكي يساعد المرضى على التعرف على الأفكار المشوهة حول الطعام وتغييرها، في حين يؤدي العلاج النفسي المتعدد الجوانب للشخصية وعلاقاتها إلى تحسين علاقات المرضى مع الناس.

ولم ينفذ إلا عدد قليل من الدراسات حول استعمال الأدوية لتجنب العودة إلى الحالة السابقة. وقد افترضت إحداها أن «فلوكسيتين» fluoxetine («بروزاك» Prozac) ربما يوفر بعض الفوائد، إلا أنه لم يقدم فوائد أكبر من العلاج الإدراكي السلوكي. كما أن دراسة ثانية حول الدواء لم تتمكن من التوصل إلى النتائج نفسها. وعلى الرغم من أن علاج فقدان الشهية العصبي قد يبدو مثبطا للهمة في بعض الأحيان، فإنه يمكن للمصابين التعلم على كيفية السيطرة على أكثر أعراضه المدمرة، بمنحهم الوقت الكافي وعلاج علاقاتهم. ومن الناحية الواقعية فإن نزعاتهم وتصوراتهم حول الطعام لن تعود إلى حالتها الطبيعية إطلاقا، ولذلك فإن عليهم أن يظلوا يقظين لتجنب عودتهم إلى حالتهم السابقة، طيلة حياتهم.

* نقاط جوهرية

* فقدان الشهية العصبي واحد من أكثر الاضطرابات العقلية القاتلة.

* المنطلقات العلاجية المتعددة الجوانب هي الأفضل، إلا أن العلاج مليء بالتحديات لأن التجويع يمكنه إلحاق تغيرات مستديمة في التفكير والسلوك.

* رغم أن الأدوية توصف في الغالب، فإن هناك دلائل قليلة على قدرتها في علاج فقدان الشهية العصبي.

معايير تشخيص حالات فقدان الشهية العصبي

* وزن الجسم أقل من 85 في المائة من الوزن الاعتيادي المناسب للطول والعمر.

* خوف ملموس من زيادة الوزن، والبدانة، رغم النحول.

* التفسير الخاطئ لوزن الجسم أو شكله، والهواجس المتسلطة حول الوزن.

* فقدان ثلاث دورات شهرية لدى النساء اللاتي سبق لهن أن مررن بدورة شهرية.

Source: Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fourth Edition

* رسالة هارفارد للصحة النفسية خدمات «تريبيون ميديا» خاص بـ«الشرق الأوسط»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام