الاربعـاء 20 ربيـع الاول 1427 هـ 19 ابريل 2006 العدد 10004
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

صون آثار بابل.. أولى خطوات بناء «عراق سياحي»

جنود أميركيون استخدموا قطعا ثمينة لملء أكياس الرمل.. و«اليونيسكو» تدعو للحفاظ على المدينة التاريخية

بابل: جيفري غيتلمان *
في مدينة بابل القديمة، يصعب التفريق بين ما هو آثار وما تعرض لخراب في الآونة الاخيرة. اذ تبدو مباني الآجر المتفتت، والتي يعود تاريخ بعضها الى 2500 سنة، مثل قصور رمال محطمة على الساحل. وقد ترك القصب وأعشاب النهر آثارها السلبية على مواقع هامة مثل برج بابل والجنائن المعلقة. وتوجد علامات الاحتلال العسكري في كل مكان، بما في ذلك الخنادق وأغلفة الطلقات والأسلاك الشائكة.

ودفعت بابل ثمن الحرب، اذ تعرضت الى النهب والتخريب والاهمال والاحتلال الفظ. وقال علماء آثار ان الجنود الأميركيين استخدموا حتى التراب المليء بآثار لا تقدر بثمن من أجل اعداد أكياس الرمل. الا ان الزعماء العراقيين ومسؤولي الأمم المتحدة لم يستسلموا لهذا الواقع، وهم يسعون بجد لاستعادة بابل، التي تعد موطنا لواحدة من عجائب الدنيا السبع، وتحويلها الى مركز ثقافي وربما الى مدينة ملاه عراقية.

ليس هناك احد يقول ان هذا سيحدث في القريب العاجل، لكن ما يجعل المشروع منطقيا هو أن المنطقة المحيطة ببابل هي واحدة من المناطق الأكثر أمانا في العراق، مهد الحضارة، في بلاد مليئة بالفوضى.

تقع بابل القديمة، التي تعد منبع القانون والكتابة والحياة المدينية، خارج مدينة الحلة العصرية، على بعد 60 ميلا الى الجنوب من بغداد. ويفيد عماد لفتة البياتي، رئيس بلدية الحلة، ان لديه خططا كبيرة خاصة ببابل، وقال: «اريد اقامة مطاعم ومحلات للهدايا وأماكن لوقوف السيارات وربما فنادق هوليداي إن».

وتقدم منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) ملايين الدولارات لحماية بابل والحفاظ عليها وطائفة من الآثار القديمة الأخرى في العراق. وطبعت اليونيسكو منشورا تحتل فيه بابل الموقع الأول من أجل توزيعه على المانحين الأثرياء. وقال فيليب ديلانغي المسؤول في الأمم المتحدة الذي يساعد في تنفيذ المشروع ان «السياحة الثقافية يمكن أن تصبح ثاني اكبر صناعة في العراق بعد النفط». لكن قبل أن يصبح العراق «مصر المقبلة» فان «بعض الأمور يجب ان تحدث»، حسبما يضيف المسؤول الاممي. واحد تلك الامور، طبعا، هو الأمن. فالجيش الأميركي ما يزال يحتفظ بقواعد قرب بابل، لكن في الشهر المقبل، وفي اشارة الى تحقق استقرار في المنطقة، ستنسحب معظم القوات وتتجه شمالا الى بغداد.

وقال دوني جورج، مدير مجلس الآثار في العراق، ان القوات البولندية حفرت خنادق عبر معبد قديم وان شركات بناء أميركية قامت بتسوية الآثار من أجل اقامة مهبط لطائرات الهليكوبتر. وتساءل جورج: «كيف يمكننا التخلص من المهبط الآن؟ هل بالمطارق الهوائية؟ هل يمكنكم أن تتخيلوا أخذ مطرقة هوائية الى بقايا واحدة من أهم المدن في تاريخ البشرية؟».

اسم بابل يتمتع بنغمة ساحرة منذ حمورابي الذي وضع أول قانون في التاريخ. وبعد حمورابي ازدهرت المدينة في عهد نبوخذنصر الذي يقال انه شيد الجنائن المعلقة لزوجته القادمة من الجبال والتي كانت تتوق الى المناطق الخضراء. وقد كان المؤرخ الاغريقي القديم هيرودوتس متأثرا الى درجة أنه كتب عن بابل انها «تفوق في أبهتها أية مدينة أخرى في العالم». والمشكلة أن الكثير من هذه الفخامة شيد من الطين، اذ لم يكن هناك الكثير من الحجر في بابل القديمة، ولم تدم النصب المشيدة من الطابوق المفخور بالشمس مثل الاهرامات المصرية او النصب الرومانية. وبمرور الزمن وفيضان الأنهار وتحول رمال الصحارى تقوضت بابل.

ومما جعل الأوضاع أسوأ، اخذ قوات الاستعمار الكلاسيكي بعضا من اثمن الآثار المتبقية، حيث أخد الألمان باب عشتار، وأخذ الفرنسيون آثار السيراميك، واستخدم الأتراك الطابوق، الذي ما زال بعضه يحمل اسم نبوخذنصر، لبناء سدود على نهر الفرات. ثم جاء نظام الرئيس السابق صدام حسين. وربما يكون صدام الوحيد الذي كانت له خطط كبيرة لبابل. فقد بدأ في عام 1985 بمشروع كان يهدف جزئياً للحفاظ على المدينة وايضاً لبناء جديد. استورد آلاف العمال السودانيين (كان الرجال العراقيون يقاتلون في الحرب العراقية الايرانية) لبناء قصر ذي مظهر قديم على قمة قصر نبوخذنصر الأصلي. وقد تم بناء جدران بالطابوق الأصفر نقش عليه اسم صدام حسين، مكان طابوق العصور القديمة. والحقيقة أن صدام حسين صان «شارع الموكب» و«أسد بابل».

وبعد حرب الخليج عام 1991 اقام صدام قصرا حديثا، فوق بعض الآثار مرة أخرى، وعلى طراز الزقورة السومرية وسماه «تل صدام». وفي عام 2003 كان صدام على وشك اقامة بناء يمتد على خط سيارات فوق بابل بينما كان الغزو يتقدم باتجاه المنطقة.

وبعد الغزو، سيطرت القوات الاميركية على وادي نهر الفرات وهي في طريقها الى بغداد وحولت تل صدام الى قاعدة. وما تزال بعض خربشاتهم على الجدران، مثل «هاي فانيسا. أحبك. من قصر صدام».

وقال علماء آثار ان ما هو اكثر خطورة من ذلك هو استخدام المعدات الثقيلة، مثل طائرات الهليكوبتر والعربات المدرعة، التي ربما دمرت الآثار الهشة القريبة من السطح. وقال دوني جورج، الذي كان مشرفا على بعض المشاريع في بابل عام 1986، انه يتذكر انه حفر ذات مرة، على عمق بوصات، ووجد تحت سطح الأرض «صحنا صغيرا مذهلا». وأضاف «تخيلوا ما خسرناه».

وفي اعقاب الغزو تدفقت مجاميع من اللصوص وسرقت كل ما يمكنها من المواقع التاريخية التي لا تحصى (في العراق أكثر من 10 آلاف موقع). ولم تتعرض بابل الى اضرار بليغة كما كان الحال في مواقع اخرى، لكن الكثير من آثارها الثمينة اختفت من المتاحف. وبحلول صيف عام 2003 كانت الخطوط المسمارية، وهي من بين اقدم خطوط الكتابة، تباع على الانترنت. وانتهت آثار قديمة بل حتى عظام الى أكياس رمل ملأها جنود كانوا يدافعون عن الموقع، وفقا لتحقيق أجراه المتحف البريطاني عام 2004. وقالت اليزابيث ستون، عالمة الآثار في جامعة نيويورك، وستوني بروك، الذي يساعد في الحفاظ على بابل، ان الجنود «أخذوا اشياء كبيرة من آثار عظيمة».

ووفقا لتقرير حديث بثته هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي)، قال عقيد بقوات المارينز الأميركية انه مستعد للاعتذار عن الضرر التي سببتها القوات الأميركية، لكنه اضاف ان وضع الآثار كان سيصبح اسوأ لو أن القوات لم تكن هناك لحمايتها.

وتقوم ستون بتقييم شامل للأضرار باستخدام صور بالأقمار الصناعية ومقارنتها بالآثار قبل وبعد الغزو. وتقضي الخطة بتقديم النتائج الى اليونسكو التي تأمل ان تصون بابل بشكل كامل وتحولها الى جوهرة متألقة في السياحة العراقية.

وعلى الرغم من المصاعب والتعقيدات لا يشعر دوني جورج بخيبة أمل. فهو يلتقي بصورة متكررة مع علماء آثار من مختلف أنحاء العالم ويضع خططا لإقامة مركز لدراسة الخط المسماري وقرية سياحية، خارج حدود المدينة القديمة بالتأكيد. وقال انه «في يوم من الأيام سيزور الملايين بابل. وكل ما في الأمر انني لست واثقا من موعد حدوث هذا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام