الجمعـة 29 ربيـع الثانـى 1425 هـ 18 يونيو 2004 العدد 9334
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

مركز «المجانين» في بغداد ساحة للحرب ولاغتصاب المريضات

النظام السابق استخدم «مستشفى الرشاد التعليمي» لاعتقال المعارضين وحجز المصابين بالإيدز

لندن: «الشرق الأوسط» بغداد: رويترز
العلاج بالصدمة الكهربائية عادة ما يتم بدون مخدر في اكبر مستشفى للامراض النفسية والعصبية في العراق الذي تطلق عليه رسميا تسمية مستشفى الرشاد التعليمي ومعروف شعبيا باسم مستشفى «الشماعية».

عندما اختير موقع بناء المستشفى قبل ما يقرب من اربعة عقود تقرر ان يقام في منطقة هادئة ومنعزلة عن الاحياء السكنية، لكنها اصبحت اليوم ومع التضخم العمراني وسط الاحياء السكنية في نهاية حدود مدينة الثورة التي حملت تسمية «مدينة صدام» قبل ان تحمل اليوم تسمية «مدينة الصدر». وهناك 16 طبيبا فقط يعالجون 900 مريض. وأحيانا تسقط بعض طلقات المدفعية في البهو لتضيف الى متاعب المرضى غير المستقرين. لكن لا يزال هناك بصيص من الامل في مستشفى الرشاد التعليمي للامراض النفسية وهي منشأة كبيرة المساحة وقعت بين يدي القوات الاميركية ومسلحين بينما تلملم جراحها في اعقاب عمليات السلب والنهب واغتصاب بعض المريضات في العام الماضي. ويأمل المستشفى من خلال تنظيف منشآته وتنظيم ورش عمل ومشاريع عمل للمرضى في تخفيف المعاناة من الامراض النفسية في مدينة نكبت بالعنف الذي لا يوفر الكثير من الصحة والسلامة خارج جدرانه. فهذا المستشفى لم يمتد له طوال حكم الرئيس السابق صدام حسين يد الاعمار او التطوير بل على العكس ترك للخراب وتحولت بعض ردهاتها الى زنزانات اعتقل فيها غالبية من المعارضين للنظام السابق الى جانب أشد المرضى خطورة، وكان هؤلاء السجناء السياسيون يربطون عرايا بالسلاسل الحديدية ويتركون عرضة لأذى المرضى الآخرين غير المسؤولين عن اعمالهم.

غير السجناء السياسيين أودع في هذا المستشفى المصابون بمرض الايدز ليتركوا هناك عرضة للموت بلا رعاية صحية وبعيدا عن انظار الناس ليتم حرق جثثهم فيما بعد حسب ما افادت عائلة كانت قد اودعت بكاملها هناك بسبب اصابة احد ابنائها بالإيدز بعد ان تلقى دما ملوثا عن طريق وزارة الصحة وتحررت هذه العائلة بعد رحيل النظام السابق.

وقال هاكوب اوزونيان، 50 عاما، الذي تعلم الانجليزية في لوس انجليس قبل اعوام انه يخشى من الخروج من المستشفى والتوجه الى اي مكان في بغداد. وأضاف انه يشعر انه اكثر امانا في المستشفى. ويقول اوزونيان انه حتى اذا كان بوسعه مغادرة المستشفى فأين يتوجه في ظل تفشي البطالة في بغداد بعد رحيل الشركات الاجنبية من العراق على حد قوله. وأضاف «آمل ان تتحسن الاوضاع». واوزونيان رجل متيقظ الا انه مثل 75 في المائة من مرضى المستشفى يعاني من انفصام الشخصية، وهو مرض يتم تجاهله في العراق والعديد من الدول العربية. ولم تكن الامدادات الطبية متوفرة بشكل كامل خلال 13 عاما من العقوبات الدولية على العراق كما ان الصورة لم تتحسن كثيرا بعد ان اطاحت قوات بقيادة اميركا بصدام حسين ووعدت بالرخاء. ويقول الطبيب ياسر عبدا لله «نحن في حاجة ماسة الى مواد تخدير. ونحن نضطر لإجراء صدمات كهربائية ما بين مرتين الى ثلاث اسبوعيا ولا يتوفر لنا تقريبا اي شيء يخفف الالم».

وفي مكان قريب يكرر مريض كبير في السن سؤال احد الزوار عن الوقت ثم يعتذر بعد ذلك بشكل مؤثر. وهناك مريض آخر يمسك بمرآة ويصيح قائلا «شكو ماكو». ومن الصعب جدا تهدئة المرضى والمساعدة في استقرار حالاتهم في ظل الاوضاع التي تبعث على التشتت كثيرا في بغداد. فقد خلقت المعارك بين قوات الاحتلال الاميركية وبين المقاومين بعد انتهاء الحرب ازمة وجدانية جديدة في الاقسام القريبة من احدى القواعد الاميركية. سقطت ست قذائف هاون وقذيفة صاروخية على المستشفى اخيرا. وركضت المريضات الى الممرضات واحتضنهن من شدة الخوف. ويقول فاضل سلمان المسؤول الاداري بالمستشفى «حالفنا الحظ حتى الآن. لم يصب او يقتل احد جراء الانفجارات الا انها تخيفهم. وسقطت قذيفة صاروخية في غرفة بها تسعة حراس كما سقطت قذيفة اخرى قرب خزان الوقود بالمستشفى وهو خزان استراتيجي لوزارة الصحة. كان من الممكن ان يؤدي ذلك الى كارثة». ومتاعب مستشفى الرشاد وهو المستشفى الوحيد في العراق الذي يعالج الامراض النفسية والعصبية المزمنة، ليست وليدة اليوم. فقد هرب مئات من المرضى بينهم عدد من الخطرين عندما هاجم لصوص المنشأة وقاموا بأعمال سلب ونهب بعد سقوط بغداد في ابريل (نيسان) 2003. ويقول المسؤولون بالمستشفى ان خمس مريضات تعرضن للاغتصاب وظهرت اعراض الحمل على اثنتين منهن. وقتلت مريضة بعد اطلاق النار عليها. الا ان حالات اغتصاب المريضات ليست جديدة على اسلوب الحياة في مستشفى الرشاد (الشماعية) فقد كانت هذه الظاهرة شائعة منذ سنوات طويلة ومورست حولها حلقة شديدة من التكتم والسرية. ويحاول القائمون على المستشفى مساعدة المرضى على نسيان وتجاوز الذكريات الاليمة عن طريق توفير ملابس زرقاء اللون وإعطائهم مرتبات للقيام بأعمال مسلية والبعض يقوم بالحياكة في حين ينظم آخرون عقودا ملونة. وأسفر ذلك عن نتائج ايجابية بالنسبة لبعض المرضى. تقول جميلة ياسين، 27 عاما، انها تشعر بتحسن الآن وانها كانت خائفة جدا عندما بدأت الحرب وان الطائرات كانت تضايقها فعلا. وتقول جميلة انها ليست مريضة ولا تعاني شيئا. ويهز مسؤولو المستشفى رؤوسهم قائلين ان امامها شوطا طويلا مثل كثير من المرضى الآخرين. وهناك 400 مريضة في المستشفى ولا يوجد اخصائي واحد لأمراض النساء. وهناك طبيب اسنان واحد فقط بالمستشفى. ويجلس بعض المرضى على الارض يدخنون السجائر وينظرون احيانا الى شاشة التلفزيون القريبة. وتقول ابتسام راضي وهي ممرضة مسؤولة عن 37 مريضا ان المستشفى بحاجة ماسة الى ملابس للمرضى الذين يمزقون ملابسهم دائما. والأمر الوحيد الذي يذكر بالحياة خارج الجدران هو صورة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر. ورغم المعاناة في داخل مباني المستشفى فان البعض قد وجد بعض الراحة من خلال التعبير الفني. وقفزت سيدة متقدمة في السن لتعرض لوحة رسمتها بألوان مائية زاهية امام احد الزوار قائلة «لقد رسمت هذه اللوحة.. الشمس في الصورة تشع حرية للجميع. وهذا الرجل يطعن وحشا يمثل كافة متاعب الحياة».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام