الثلاثـاء 22 ذو القعـدة 1422 هـ 5 فبراير 2002 العدد 8470
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

كابل ما بعد العمامة (1) ـ في «وزير ستان» رجال بلا عمائم مسمرون إلى أجهزة التلفزيون ونساء ينفثن الدخان في الوجوه

صورة أحمد شاه مسعود تتحول إلى أيقونة معلقة في كل مكان * الطائرات الحربية الأميركية تزدحم في مطار باغرام.. بدلا من الروسية

كابل: فهمي هويدي
اختفت العمامة من كابل، وحل محلها «الباكول» الأقرب الى الطاقية أو «البيريه» الذي أصبح يغطي كل الرؤوس، مستعيدا مكانته التي ازاحتها عنه حركة طالبان، وسكت راديو «صوت الشريعة»، ولكن افغانستان الاسلامية ما زالت كما هي، فقط سقطت من أسمها كلمة «امارت» واستبدلت بها كلمة «دولت» ـ لحيتها الاجتماعية لم تنزع بعد أما لحيتها السياسية فقد بزغت واختفت حتى اشعار آخر على الأقل ـ أما البرقع أو «البروكا» الذي غطى وجوه النساء واجسامهن، فلا يزال ثابت القدم في العاصمة، لكنه لم يعد الزي الوحيد في الشارع، وانما سارت الى جانبه أزياء أخرى تراوحت بين الاعتدال والتطرف في الاتجاه المعاكس.

تلك أول الانطباعات التي وقعت عليها حين دخلت المدينة قادما من مطار «باغرام»، في أول زيارة لها بعد سقوط نظـام طالبان. لم يكن هناك شيء مثير فيما صادفته وقتذاك، ومع ذلك ظلت تلك الملاحظات السريعة عالقة بذهني، ربما لأن الحملة الاعلامية الغربية التي صاحبت دخول قوات التحالف الشمالي الى العاصمة صورت لنا ان ثمة انقلابا شاملا حصل هنا، حيث سارع الرجال الى الوقوف في طوابير امام محلات الحلاقة لكي يتخلصوا من لحاهم، وألقت النسوة بالبرقع جانبا، وظهرن في الشوارع مرتديات سراويل الجينز، ثم تزاحمن على محلات تصفيف الشعر ومعارض الأزياء الحديثة، فيما صدحت الموسيقى في سماء المدينة، وعادت دور اللهو الى سابق عهدها، وتزاحم الشبان والفتيات على اقتناء صور واشرطة أشهر النجوم والمطربين، وهي المظاهر التي استدلت بها تلك التقارير الصحافية الغربية على أن أفغانستان انتقلت من الظلمات الى النور، ومن جحيم طالبان الى نعيم الحداثة بفضل الاميركيين.

* في مطار باغرام

* المثير بالنسبة لي كان اشياء أخرى مغايرة لتلك المبالغات المفتعلة، بدأت بمطار «باغرام» ذاته، الذي ظلت طائرات الأمم المتحدة تهبط فيه قبل اصلاح مطار كابل وهو ما قصدناه فور وصولنا. كنت أعرف ان ذلك المطار كان يستخدم في السابق لاستقبال الطائرات السوفياتية اثناء احتلال افغانستان، وانه ظل بعد زوال الاحتلال عام 1989 تحت سيطرة أحمد شاه مسعود قائد قوات التحالف الشمالي، وان الطائرات الروسية كانت تهبط فيه محملة بالأسلحة والذخائر التي مكنته من الثبات ومساعدته على تحدي منافسيه وخصومه، من قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الاسلامي الى حركة طالبان، لكن ما خطر ببالي يوما ما انه سيصبح قاعدة عسكرية للقوات الاميركية، لم أره في مراحله السابقة لكن حين نزلت فيه هذه المرة، رأيت العديد من الطائرات العسكرية الاميركية من الهليكوبتر ذات الحجم الصغير، الى «الاباتشي» بصورتها المخيفة ولونها الرمادي القاتم، وسمعتها السيئة في فلسطين، الى طائرت أخرى عملاقة لا أعرف لها اسما، لكني رجحت انها طائرات نقل العتاد والمؤن، لأنني وجدت سيارات الجيب تدخل في بطنها الذي تمت تسويته بالأرض، وتخرج محملة بالصناديق المقفلة.

كان المشهد مهيبا، الطائرات الاميركية متناثرة في انحاء المطار، بينما السيارات الصغيرة والرافعات تتحرك فيما بينها وبين ركن قصي تكدست فيه الصناديق والاطارات والحاويات، وكان جنود واقفون يرقبون في صمت، بعضهم يستقبل ويحصي والبعض الآخر يتفحص وجوه القادمين وجميعهم من ذوي القامات المديدة والعضلات المفتولة، كأنهم مصارعون أو ملاكمون استدعوا من الحلبة على الفور، على أكتافهم اشارات تدل على جنسياتهم الاميركية والكندية والانجليزية، رؤوسهم مغطاة، وقفازات الصوف تخفي ايديهم وأغلبهم يرتدون نظارات سوداء، الرشاشات على اكتافهم، واحزمة الذخيرة على خواصرهم، في الفخذ اليمنى مسدس مربوط بحزام جلدي، ومن الناحية اليسرى خنجر مغموس في غمده، وقريبا منه كرة مدلاة، أغلب الظن انها قنبلة، يستشعر المرء على الفور ان كل جندي مستنفر بدرجة عالية، وانه وان تحرك في هدوء الا انه يتعرف وكأنه في حالة قتالية، ومستعد لأن ينقض أو يرد في أية لحظة، على هجوم عناصر «القاعدة»، الذين قد يظهرون في الأفق في أي لحظة، لذلك كان طريفا ومفاجئا أن رأيت بعض آحاد من الجنود خرجوا من تلك الحالة، ومضوا يمارسون رياضة الجري في وقت راحتهم على مدرج المطار، غير مبالين بما حولهم.

لكن أطرف ما شاع في تلك اللحظات كان منظر بعض الأفغان من ذوي الأجسام النحيلة والثياب الرثة والوجوه الشاحبة الذين استقبلونا بعد النزول وطلبوا منا ابراز جوازات السفر، وملء استمارات القدوم. كان أحدهم يجمع الجوازات ويضعها في منديل كبير حوله الى كيس مؤقت، وبعدما اتم المهمة انتحى بما حمل جانبا، ثم جلس القرفصاء على الأرض، واخرج ختما من جيبه نفخ فيه بفمه، ثم تولى ختم كل جواز به، بينما حرر آخر على الختم تاريخ الوصول، بعد ذلك اعيدت جوازات السفر الى المنديل (الكيس) ونودي على الاسماء لكي يتسلم كل واحد وثيقة سفره، ويسمح له بالاصطفاف مع ركاب السيارات المتجهة الى العاصمة.

* صورة مسعود في كل مكان

* عبرنا اسلاكا وحواجز وقطعنا خمسين كيلومترا وسط طرق ملتوية لم تسلم من القصف والحفر وتناثرت على جانبيها الدبابات والسيارات المحترقة، ووسط سلسلة من الخرائب التي لا حياة فيها، كنت واحدا ممن حملتهم السيارة الى فندق كونتننتال، وهو الوحيد الذي لا يزال يعمل في المدينة.

في طريق الصعود الى الفندق، الذي يقع على تبة عالية تشرف على المدينة لاحت على البعد صورة كبيرة ملونة للراحل أحمد شاه مسعود، قائد قوات التحالف الشمالي. حين وقفت السيارة امام باب الفندق كانت هناك صورة أخرى له مثبتة وراء زجاج الباب الذي ما ان استدار وخطونا الى البهو حتى وجدنا صورتين اخريين كبيرتين لمسعود تستقبلان الداخلين. قصدت موظف الاستقبال فوجدت وراء ظهره صورة ثالثة، ثم اكتشفت في وقت لاحق ان هناك ثلاث صور أخرى للرجل موزعة على بقية المحلات في البهو، وحين احصيت مجموع صوره في الطابق الأرضي وحده وجدت عددها سبعا، هكذا مرة واحدة. توقفت عن العد بعد ذلك لأن صوره المثبتة وراء زجاج سيارات الأجرة أمام الفندق وجدتها أكثر من أن تحصى.

كنت قد نزلت في ذات الفندق قبل أربع سنوات، ووجدت ان عدد موظفيه أكبر من عدد النزلاء، وحين كنت أدخل الى المطعم كان العاملون فيه يتحلقون حولي عارضين خدماتهم، سواء لكسر الملل الناشئ عن قلة النزلاء، أو املا في الحصول على ما تيسر من «البخشيش». ودائما كنت أجد في البهو صفوفا من الأفغان الجالسين على المقاعد، مرتدين العمائم السوداء والبيضاء التي فرضتها حركة طالبان على الناس، وقد اطلقوا لحاهم الطويلة امتثالا لذات التعليمات. بينما اختفت اجسامهم وراء الوشاح الكبير «الشال» الذي يسمونه «تشودر» الذي تتعدد وظائفه، فهو ساتر للجسم وواق له من البرد، وهو غطاء اثناء النوم في الشتاء، وفراش في الصيف، وهو سجادة للصلاة حين يحل موعدها.

هذه المرة وجدت الجالسين هم هم، كأن أحدا لم يتزحزح عن مقعده منذ أربع سنوات، لكنهم خلعوا العمائم وارتدوا «الباكول»، ولحاهم اختلفت أطوالها، فمنهم من هذبها ومنهم من تركها على سجيتها. في السابق كانوا يصوبون نظراتهم صوب الداخلين، لكنهم صرفوا انظارهم عنهم هذه المرة، وعلقوها بشاشة جهاز تلفزيون وضع في ركن من البهو، كأنما أريد له أن يكون اعلانا عن انقضاء عهد وبداية عهد جديد، وطيلة الأيام العشرة التي قضيتها هناك لم يترك أحدهم مقعده امام الجهاز، ربما كانوا يعوضون سنوات الحرمان منه.

* حين تطابقت الفنادق والخنادق

* اعتذر موظف الاستقبال قائلا انه لا توجد لديه غرف شاغرة. بعد الالحاح والوسائط قال ان لديه غرفة محجوزة لآخر، يمكن ان يوفرها لي مؤقتا حتى يأتي الله بفرج من عنده. لم تطل فرحتي لأنني وجدت الغرفة مقطوعة عنها المياه، ومرحاضها مكسور وغير صالح للاستعمال، بحيث يتعين على المرء ان يهبط من الطابق الثالث على درج يقطع الانفاس، لكي يستخدم في كل مرة دورة المياه في الطابق الأرضي، كل ذلك ودرجة البرودة عند الصفر أو فوقه بقليل. عدت الى موظف الاستقبال قائلا ان الغرفة لا تصلح للاستخدام الآدمي. مط الشاب شفتيه وقال بانجليزية مكسرة هذا هو الموجود، وقد خدمتك قدر استطاعتي.

أظلمت الدنيا في عيني لحظة، وأفقت على صوت زميل يمثل احدى محطات التلفزيون العربية يقول: ما الذي جاء بك الى هنا؟ اعتبرته مبعوث العناية الالهية لانقاذي من الورطة، لأنه عرض علي أن أنضم الى غرفته التي يسكنها مع آخر، وتصل اليها المياه، كما أن مرحاضها قابل للاستعمال، وان كان بغير «سيفون». كان الماء مثلجا حقا، لكنه موجود في الغرفة على الأقل، وهي نعمة أدركت قيمتها حينما رأيت آخرين من الصحافيين الأجانب يحملون جرادل المياه الى غرفهم في الطوابق العليا، أو يستعينون بعمال الخدمة في الفندق الذين ظلوا صاعدين وهابطين بتلك الجرادل طول الوقت.

ظللت ارتجف لثلاثة أيام وأنا أتوضأ بتلك المياه المثلجة في الصباح الباكر، وكان علي اذا ما أردت الاستحمام ان استعين ببراد شاي تتولى الكهرباء تسخين مائه الى درجة الغليان، ثم صب الماء في جردل من البلاستيك وتخفيف سخونتها بما تيسر من ماء الحنفية المثلج، واكمال المهمة بعد ذلك.

حمدت الله على مجرد وجود المياه والمرحاض، ونعمة المدفأة رغم تعدد انقطاع التيار الكهربائي كل ليلة، ولم أهتم كثيرا بعطل الهواتف أو تقاعس المصعد واستقالته الاجبارية بعدما بلغ من العمر ارذله ومن الاهمال مبلغه، بل كنت أخجل من نفسي كلما تذكرت ان هناك ملايين في افغانستان يحلمون بالعيش في مثل هذا المكان الذي اشكو من أوجه القصور في خدماته، ومنهم من قد يحسدنا لأن لدينا سقفا يحمينا من الثلج المتساقط، ومدفأة تحول دون تجمد اطرافنا، ومياه غير ملوثة تبعد عنا شبح الاصابة بمختلف الأمراض والأوبئة.

في عالمنا العربي تعد الفنادق منازل المترفين، ويعير المناضلون اذا ما سكنوها تاركين وراءهم حياة الخنادق، لكن الفندق الذي نزلت فيه بكابل أجهض هذه الفكرة، اذ ساوى بين الفنادق والخنادق حين الغى المسافة بينهما، ويبدو ان الأنظمة المتعاقبة حرصت على تثبيت ذلك الوضع، لأنني لم أجد تغييرا يذكر طرأ على فندق الكونتننتال خلال العقد الأخير على الأقل، حتى اعتبرته تجسيدا للحالة البائسة التي آلت اليها العاصمة منذ تولى أمرها المجاهدون في عام 1992، ثم آلت الى حركة طالبان منذ عام 1996.

* الفندق أصبح «وزير ستان»

* ولئن ظل الشكل كما هو عاكسا للخراب الذي حل بالعاصمة والبلد بأسره، الا ان المحتوى تغير كثيرا، وبدا معبرا عن احتمالات التحول التي تلوح في الأفق الأفغاني هذه الأيام.

ظهور التلفزيون، في البهو واختفاء العمامة من فوق رؤوس القاعدين فيه، وانتشار صور أحمد شاه مسعود بشكل لافت للنظر، مجرد قسمات يلحظها الداخل الى الفندق بمجرد ولوجه الباب، قادما من الخارج لأول مرة، لكن ما يجرى داخل الفندق، في قاعاته الأخرى وطوابقه المختلفة له دلالات أخرى أقوى وأعمق.

لا أتحدث فقط عن القاعة التي يتزاحم فيها الصحافيون والمراسلون الأجانب مساء كل يوم، لكي يستمعوا الى تلخيص اخباري من المتحدث باسم مندوب الأمم المتحدة، أحمد فوزي، أو يلتقون فيها بالمسؤولين الغربيين والدوليين الذين لا تتوقف زياراتهم، أو عن الحضور الملموس لعدد من الأفغانيات القادمات من العواصم الغربية، وبعضهن جئن متحفزات لإحداث انقلاب في حياة المرأة الافغانية، واثنتان منهن تجلسان في قاعة الطعام كل مساء تنفثان الدخان في أوجه الجميع، وتتحدثان عن ضرورة «تحرير المرأة».

اتحدث عن كثافة عدد الوزراء والمسؤولين الحكوميين الذين تم تجهيز الطابق الأول لهم بالهواتف وأجهزة التلفزيون والماء الساخن، وبسبب ارتفاع عدد أولئك الوزراء (14 من 29 وزيرا في الحكومة)، فإن بعض الافغان، وهم يتندرون، اطلقوا على الفندق اسم «وزير ستان»، أي وطن الوزراء، ولم يقف الأمر عند حد السخرية، لأن آخرين اعتبروا الوزراء وغيرهم من المسؤولين القادمين من الشمال، الذين دخلوا الى العاصمة في اعقاب سقوطها بايدي قوات التحالف، مجرد ضيوف، بعضهم جاء من العواصم الغربية والبعض الآخر قدم من منطقة بنشير وبدخشان في الشمال.

* هكذا أطل الملف الشائك المعنى أبعد مما قد يخطر على بالك لأول وهلة، لأن اعتبارهم ضيوفا يراد به الاشارة الى أنهم وافدون الى كابل وليسوا من أبنائها، واذا صارحك احد من المثقفين الأفغان فسيقول لك انهم دخلاء وليسوا اصلاء. توثقت علاقتك بالبشتون منهم، وطالت بك جلسة الحوار وامتدت حبال الحديث الى ما هو أبعد، فلن تعدم من يذهب في المصارحة الى منتهاها ويقول لك ان كابل خرجت من قبضة الطالبانيين لتقع في قبضة التاجيكيين، واشار الى تحول صور أحمد شاه مسعود الى «ايقونة» معلقة في كل مكان، ثم اضاف ان التحرير المنشود لكابل لم يتحقق بعد.

قالها عبد الباري الاستاذ الجامعي ذات مساء بمنتهى الهدوء وبصوت خفيض نسبيا، بعدما فرغنا من طعام العشاء، ثم حاول ان يستدرك وطلب مني اذا اشرت الى كلامه الا أذكر اسمه كاملا في الوقت الراهن. وحين اراد أحد الجالسين ان يلطف الجو، فإنه اشار بأصبعه الى أعلى قائلا: ان طائرات «بي 52» ما زالت في سماء افغانستان ولم تغادرها بعد.

وجدت ان درجة الحرارة ارتفعت في الجلسة، وان القضايا الشائكة والحساسة طرحت بأسرع مما تصورت، فاقترحت على أن نخصص لقاء مستقلا لمناقشة تفصيلات الوضع المستجد في افغانستان.

(البقية غدا) =

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام