الخميـس 28 ذو القعـدة 1421 هـ 22 فبراير 2001 العدد 8122
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

ظاهرة اندماج الشركات واستحواذها هل تعمل لمصلحة الاقتصاد العالمي أم ضده؟!

د. عبد الرحمن إبراهيم الصنيع (*)

المتابع لأخبار وأحداث الشؤون الاقتصادية والمالية، سواء على المستوى المحلي، أو الإقليمي، أو العالمي، في السنوات القليلة الماضية، يرى وبشكل ملحوظ أن ظاهرة اندماج واستحواذ الشركات بدأت تأخذ حيزاً لا بأس به من حجم هذه المعلومات، نظراً لما لها من أهمية كبرى، وصدى على الاقتصاديات المعنية (المحلية والإقليمية والدولية)، لأن إجمالي الصفقات التي تبرم من خلالها سنوياً تفوق مليارات الدولارات.

ولكي يتسنى لنا الوصول إلى فهم أفضل لهذا الموضوع، نرى قبل أن نخوض في تفاصيل الإجابة على السؤال، أن نتطرق إلى تعريف بعض المفاهيم التي لها علاقة مباشرة، وأيضاً التطورات التي طرأت في هذا المجال، والتي هي على النحو التالي:

لا بد من التنويه إلى نقطة مهمة وهي أن الشركة التي تتقدم بطلب العرض للاستحواذ أو الاندماج مع شركة أخرى يطلق عليها الشركة الأم أما الشركة التي تقبل العرض ويتم استحواذها أو اندماجها يطلق عليها الشركة المستهدفة، بالاضافة إلى أن عمليتي الاستحواذ والاندماج تعتبران ضمن وسائل التوسع الخارجية، والتي تتم من خلالهما صهر ودمج المقومات والمقدرات الاقتصادية لشركتين أو أكثر، وتوحيد الجهود لتشكيل شركة أكبر وأقوى، وذلك من أجل تحقيق أهداف مختلفة، مثل دعم وتعزيز قسم أو أنشطة معينة في الشركة الأم، أو رغبة الشركة الأم في فرض نفوذها وسيطرتها في المجال الذي تعمل فيه من أجل كسب أكبر حصة ممكنة في السوق. وعليه فإن عملية الاستحواذ في الصفقة تتم بحيث يشمل العقد بنوداً تنص على ضرورة امتلاك الشركة الأم أكثر من 50 في المائة من الأسهم المتداولة للشركة المستهدفة، بينما يحق للشركة المستهدفة الاحتفاظ بهويتها، إلا أن قوانين بعض الدول تستلزم الشركة الأم بضرورة استحواذها على الأقل على 80 في المائة من الأسهم المتداولة للشركة المستهدفة لكي تتفادى دفع الضرائب على شركتين. أما بالنسبة لعملية الاندماج فهي الصفقة التي يتم من خلالها امتلاك الشركة الأم لجميع أصول أو موجودات، وخصوم أو مطالب الشركة أو الشركات المستهدفة. وإذا تم بعد الاندماج الاحتفاظ باسم الشركة الأم فيطلق عليه (المَلْغَمَة)، أما إذا تم تبني اسم جديد للشركة فيطلق عليه (الدمج)، وبالرغم من ذلك فإن بعض الناس يعتبر الكلمات الأربع (الاستحواذ، الاندماج، الملغمة، الدمج) مترادفات، وهناك أربعة أنواع من عمليات الاندماج، وهي: (الاندماج الأفقي) ويتم بين شركات تعمل في نفس المجال (التخصص) وذلك من أجل تقوية وتعزيز القوى التنافسية بعد الاندماج. (الاندماج الرأسي) ويتم بين شركة تعمل في مجال معين وشركة أو شركات أخرى تعمل في مجال أو مجالات منتجاتها تعتبر مواد خاما أو أولية بالنسبة لمجال الشركة الأم. (الاندماج الدائري) ويتم بين شركة تعمل في مجال معين وشركة أو شركات أخرى تعمل في مجال مكمل لمنتجات الشركة الأم. (الاندماج المتنوع) وهو الاندماج الذي يتم بين شركة تزاول نشاطا معينا مع شركة أو شركات أخرى تزاول أنشطة مختلفة، وهذا الاندماج يعتبر الأكثر انتشاراً.

وبالرغم من أن عمليتي الاندماج والاستحواذ تبدوان كأنهما ظاهرة اقتصادية حديثة نظراً لسرعة انتشارها لا سيما عمليات الاندماج الدولية المشتركة، إلا أن مراجعة أدبيات اندماج الشركات تشير إلى أن أول صفقة اندماج في التاريخ تمت قبل مائة عام (1898) في الولايات المتحدة بين شركة الحديد والصلب الأميركية وشركة ستاندرد النفطية لتشكل أكبر شركة في العالم آنذاك للتنقيب والكشف عن البترول والمعادن، وتصنيع المنتجات البترولية والمعدنية، أما بالنسبة لعصرنا الراهن لا سيما خلال عقد التسعينات وحتى الآن فإن أهم صفقات الاندماج والاستحواذ التي تمت على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي فهي على النحو التالي:

على المستوى المحلى في نوفمبر 1997 تم اندماج البنك السعودي التجاري المتحد مع بنك القاهرة السعودي برأس مال قدره 653 مليون دولار، كما تم دمج شركتي العزيزية بندة المتحدة وصافولا لتشكيل مجموعة استثمارية متكاملة تجمع اثنتين من كبريات الشركات المتخصصة في تجارة المواد الغذائية والاستهلاكية وتصنيعها. وعلى المستوى الإقليمي تمت عملية اندماج شركتي البترول الكويتية السويدية لتكوين شركة مشتركة عن طريق دمج أنشطتهما التجارية النفطية. أما على المستوى العالمي فإن عمليات اندماج واستحواذ الشركات تتم بصفة شبه يومية لا سيما في الدول الصناعية.

والآن لكي نتمكن من الإجابة على السؤال: «هل اندماج الشركات يعمل لمصلحة أو ضد الاقتصاد العالمي؟» نرى أنه يجب أن نستخلص مما تقدم شرحه بعض الخصائص أو الملامح الرئيسية السائدة في ظاهرة انتشار اندماج واستحواذ الشركات، التي نوجز أهمها على النحو التالي:

* إن الهدف الأساسي من الانتشار السريع لاندماج الشركات الكبرى منذ بداية التسعينات هو تشكيل منشآت ذات كيانات اقتصادية قوية، تمهيداً واستعداداً لتمكينها من الحصول على أكبر حصص ممكنة في أسواق القطاعات التي تعمل فيها عندما يبدأ العمل في تنفيذ قرارات «منظمة التجارة العالمية WTO»، وبالطبع حكومات الدول الصناعية وفي مقدمتها الولايات المتحدة كانت، ولا تزال، تشجع شركاتها على تبني نهج الاندماجات نظراً لإيمانها بأن قوة الدولة تكمن في قوة اقتصادها.

* ان عمليات الاندماجات تتم بين شركات عملاقة مقرها الرئيسي في الدول الصناعية.

* ان عمليات الاندماجات تتم بين شركات لها نفوذ وسيطرة في القطاعات التي تعمل بها.

* ان عمليات الاندماجات تتم بين شركات تعمل في قطاعات حيوية مختلفة تمثل أهم مجالات التقدم التكنولوجي لهذا العصر.

* ان حجم الصفقات كبير ويفوق مئات الملايين، بل ومعظمها يتعدى عشرات ومئات المليارات دولار.

* ان عمليات الاندماجات لا تتم بين شركات مقرها الرئيسي في إحدى الدول النامية، وقلما نجد شركة تعمل في الدول النامية تكون طرفاً في عمليات الاندماجات.

وإجابة على السؤال من وجهة النظر الاقتصادية باستطاعتنا الآن التوصل إلى نتائج عديدة أهمها: ان عمليات الاندماج تعمل لمصالح الشركات الكبرى، وذلك بتعزيز قدراتها التنافسية من الحصول على أكبر حصة ممكنة في أسواق القطاعات التي تعمل بها، وهذا بالتالي يجني لها ارباحاً خيالية يترتب على ذلك نشوء ظاهرة «الاحتكار»، وهي الحالة الاقتصادية التي يسيطر فيها مجموعة من المنتجين لسلع أو خدمات معينة في السوق من أجل فرض الرقابة على العرض الكلي للمنتجات، وبالتالي التحكم في أسعارها، وعلى وجه الخصوص بالنسبة لظاهرة اندماج الشركات، فإن هذه الحالة الاقتصادية يطلق عليها ظاهرة «احتكار القلة». وهذا بالطبع مناف لمبدأ الاقتصاد الحر، وهو النظام السائد في الوقت الراهن، والذي تتبناه معظم دول العالم.

ان استمرار انتشار ظاهرة اندماج الشركات وقلة عدد المنشآت المتخصصة التي تعمل في قطاعات معينة وتقليص الفرص أمام الشركات الجديدة من دخول القطاعات المنتجة لا بد أن يؤدي إلى تفشي احدى أخطر الآفات الاقتصادية وهي ظاهرة «البطالة»، التي تعتبر من أهم اسباب انتشار الجريمة بأنواعها في جميع مجتمعات العالم.

كما ان الاستمرار في تبني الاندماجات على المستوى الدولي يعود بالاقتصاد العالمي إلى الوراء أي إلى الحقبة التي كان يسودها فكر اقتصاد مدرسة «التجاريين»، والتي استمرت من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر نظراً لتشابه نهج الاندماجات في هذا العصر مع بعض التوجهات التي كان ينادي بها اتباع «التجاريين» مثل الإنجليزي أوليفر كرومويل، والفرنسي جه بي كولبرت حيث كان من ضمن أفكارهما بالنسبة للمشكلات الاقتصادية إيجاد حلول وسياسات مختلفة، الهدف الأساسي منها تقوية الدولة من خلال زيادة ثروتها النقدية، لذلك كانت التجارة تحتل المركز الأول في فكرها الاقتصادي، وكان في اعتقادها أن العمل الذي لا يوجه لإنتاج السلع للتصدير مقابل الحصول على المعادن النفيسة كالذهب والفضة فإنه لا يعتبر عملاً مجدياً، ويجب صرف النظر عنه. من هذه الحيثية كان موقف «التجاريين» بالنسبة للتجارة الخارجية هو تشجيع احتكار الصادرات لأنه يجلب للدولة فوائد عملية، وإن كان ذلك على حساب الدول الأخرى. وربما كان الفكر الاقتصادي لمدرسة «التجاريين» مناسباً للظروف التي كانت سائدة خلال تلك الفترة مثل ظهور فكرة إنشاء «الدولة» كوحدة سياسية جديدة بدءا بفرنسا، ثم إنجلترا، ثم اسبانيا، وتلا ذلك طموح هذه الدول الناشئة إلى زيادة مستعمراتها في مختلف بقاع العالم من أجل جني الثروات المتنوعة. كما ان استمرار انتشار ظاهرة الاندماجات وما يترتب عليها من سلبيات خطيرة، مثل انتشار الاحتكار، وتفشي البطالة، لا يتماشى مع متطلبات روح هذا العصر، بل على النقيض إن الاستمرار في تبني هذا النهج قد يؤدي (مع مرر الوقت) إلى تشكيل مجموعتين من الدول، بينهما فجوة اقتصادية كبيرة، وهي: مجموعة صغيرة من الدول الصناعية والمنتجة والتي ترغب في بيع (تصدير) منتجاتها إلى مجموعة كبيرة من الدول النامية ترغب في شراء (استيراد) منتجات الدول الصناعية، ولكنها لا تستطيع، وسينجم عن ذلك خلل جسيم في ميزان التبادل التجاري بين الدول، وهذا بالتالي سيؤدي إلى تدهور الاقتصاد الدولي وربما إلى انهيار «النظام العالمي الجديد» برمته.

هناك بعض المقترحات، التي لو تم تبني بعضها مع إضافة التعديلات أو أفكار أخرى، قد تساهم في تخفيف الآثار السلبية لظاهرة الاندماجات، أهمها على النحو التالي:

ـ لكي يكتب اللّه النجاح للنظام العالمي الجديد، الذي أهم توجهاته يتمثل في «عولمة الاقتصاد»، فإن الجهات المعنية بالاقتصاد والتبادل التجاري في المنظمات الدولية، لا سيما ثالوث هذا النظام والمتمثل في كل من منظمة التجارة العالمية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي مطالبة، ليس بتطبيق أفكار ويلي براند وأنصاره في ما يتعلق «بحوار الشمال والجنوب» (أواخر السبعينات وبداية الثمانينات)، والذي أثبت الحوار فشله الذريع في تقريب وجهات النظر حول تقليص الهوة الاقتصادية بين دول الشمال ودول الجنوب، لكن هذه المنظمات وغيرها لا بد لها، الآن أكثر من ذي قبل، أن تنظر بجدية أكثر وحيادية حيال تعزيز التبادل التجاري الدولي، أي مثلما فعلت بالقضايا التي تهم مصالح الدول الغربية، كإصدار اللوائح والقوانين التي من شأنها حماية حقوق الملكية الفكرية التي تتعلق بالمطبوعات والماركات التجارية المسجلة وتطبيق سياسات منع الإغراق، وغيرها من إجراءات، وبمعنى آخر لا بد للمنظمات الدولية أن تتوخى مبدأ المحايدة في سياساتها حيال التبادل التجاري الدولي، وذلك بأن تتبنى تطبيق بعض الأفكار التي من شأنها إجراء بعض التعديلات، أو حتى إدخال بعض بنود الغرض منها تشجيع وحث وتمكين الدول النامية من ممارسة دورها في التبادل التجاري الدولي بيسر وسهولة، مثل سن القوانين والتشريعات التي من شأنها وضع ضوابط ومعايير لتنظيم عمليات استحواذ واندماج المنشآت، بحيث تحد من انتشار هذه الظاهرة وتحد من استفحال أخطارها، وبحيث تشجع على مشاركة منشآت الدول النامية الاندماج مع منشآت الدول الصناعية.

ـ أن يكون من ضمن أسس التبادل التجاري بين دول العالم اتباع مبدأ «الميزة النسبية» للدول، والذي أول من نادى به هو الاقتصادي الإنجليزي ديفيد ريكاردو الذي كان من رواد المدرسة التقليدية في الفكر الاقتصادي. وتتلخص فكرة الميزة النسبية في أن كل دولة تقوم بإنتاج وتصدير السلع التي تكون تكلفة إنتاجها أقل من تكلفة استيرادها وبحيث يمكن أن تجني لها أرباحاً من خلال تصديرها وبيعها بأسعار أقل من أسعار السلع المماثلة والموجودة في الأسواق الدولية.

ـ من هذا المنطلق فإن الدول النامية تحتاج من المنظمات الدولية، خاصة تلك التي تشكل ثالوث النظام العالمي الجديد، أن تلعب دور الوسيط بينها وبين الدول الصناعية والدول الدائنة، وذلك بوضع برنامج كأحد الحلول للنهوض باقتصادياتها، كأن يتم استحداث نظام للنسب المئوية من حجم المديونية التي يمكن إسقاطها عن الدول النامية، مثلاً إسقاط ما نسبته 80 في المائة ـ 100 في المائة من حجم الديون المستحقة على الدول التي تم تصنيفها تحت خط الفقر (بنجلاديش، الصومال، اثيوبيا، وغيرها)، إسقاط 50 في المائة ـ 79 في المائة من حجم الديون المستحقة على الدول التي تم تصنيفها فقيرة (بعض الدول في كل من أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية وأفريقيا، وغيرها)، وإسقاط 20 في المائة ـ 49 في المائة من حجم الديون المستحقة على الدول التي تم تصنيفها دون المتوسط (بعض الدول في العالم العربي وأوروبا الشرقية، وغيرها). عندئذ فقط تستطيع المنظمات التابعة لهيئة الأمم المتحدة مثل اليونيدو مساعدة الدول النامية في تحقيق أهداف خططها التنموية في شتى المجالات، وهذا بالطبع لا بد أن ينعكس إيجابياً على مستوى النمو الاقتصادي للدول النامية.

* إقتصادي سعودي

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام