الاثنيـن 05 شـوال 1421 هـ 1 يناير 2001 العدد 8070
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

كاتبات عصيات على الترويض

شهادات روائية وحياتية من البريطانية دوريس ليسينج والفرنسية كامي لورنس والجزائرية نينا بوراوي والأميركية ريكي دوكورنيه

حسونة المصباحي تعتبر دوريس ليسينج البالغة الآن من العمر 78 عاما، واحدة من كبار الروائيين، لا في بريطانيا موطنها الاصلي فقط وانما في العالم بأسره. وهي تعيش في بيت من الآجر، شمال غربي لندن. وعن طفولتها المليئة بالمغامرات العجيبة تقول دوريس ليسينج: «ولدت في ايران، وفي كرمنشاه تحديدا. بعدها انتقلت عائلتي للعيش في طهران، ثم اجتزنا روسيا في القطار خلال الثورة البلشفية. امضينا بعد ذلك ستة أشهر في بريطانيا، ثم ركبنا باخرة نقلتنا الى افريقيا الجنوبية، ثم سافرنا الى «ساليسبوري» في روديسيا حيث اشترى والدي ضيعة. ولعل عائلتي اختارت ذلك المكان بسبب طبيعته الخلابة، والمشاهد الرومانسية». وبصوتها الدافئ، شديد الصفاء، تواصل دوريس ليسينج حديثها قائلة: «ما كان يخيفنا في تلك المنطقة لم تكن الحيوانات المتوحشة، وانما الثعابين، ويمكنني ان اقول انني عشت في المناطق الاكثر خطرا في العالم من الناحية الصحية. ومع ذلك، حتى وان قضيت اليوم بكامله بصحبة أخي خارج البيت، حافية الساقين، فإن الثعابين لم تصبني بسوء ذلك انني كنت شديدة الاحتراز، وكنت اراقب جيدا المكان الذي اضع فيه قدمي. وعندما تدخل الثعابين الى البيت كانت امي تأخذ مسدس والدي وتطلق عليها النار. حظي الكبير انني شاهدت في طفولتي وبحرية كاملة كل تلك الحيوانات الموضوعة الآن في الاقفاص والحدائق كي يتفرج عليها الناس. كانت هناك فهود في الهضاب المحيطة ببيتنا وجميع انواع الطيور التي لا يمكن تصورها. الآن لم يعد هناك اي شيء. انه شيء يبعث على البكاء».

صغيرة، عايشت دوريس ليسينج الفقر والثورات. وكان والداها يفسران لها ما كان يحدث امام عينيها، وفي روسيا شاهدت مناظر بؤس ظلت عالقة في ذاكرتها حتى هذه الساعة: نساء يحاولن بيع بعض البيض او بعض قطع الخبز، والاطفال اليتامى يتسولون.

وعن حالة عائلتها المادية تقول ليسينج: «كانت الخصاصة المشكلة التي تؤرق عائلتي طول الوقت. وكان والدي دائم المرض. فقد جرح خلال الحرب العالمية الاولى. ولأنهم بتروا ساقه، فإنه كان يستعين بساق خشبية. اما والدتي فقد كانت كارهة لهذه الحياة. وكانت تظهر ذلك طول الوقت. وربما يعود ذلك الى جذورها، اذ كانت بورجوازية بريطانية صغيرة. كان بودها لو تعيش في لندن وتتزوج دكتورا. ثم ها هي الظروف تجبرها على الذهاب بعيدا عن احلامها لتعيش وسط الحيوانات الافريقية المتوحشة بدون ادنى امكانية تتيح لها العودة الى لندن. وبسبب الفقر، وبسبب زوج مريض طول الوقت، كانت تشعر انها سجينة داخل قفص».

ويوما ما شاهدت دوريس ليسينج والديها في شرفة البيت يستنشقان الهواء النقي، وكان مظهرهما محزنا للغاية، فقد ادركتهما الشيخوخة، وظهر الاعياء على ملامحهما. وعندئذ قررت دوريس الشابة الجميلة ان تهجر ذلك العالم الكئيب لكي لا تعرف ذات المصير. وخلال سنوات الشباب اعتنقت دوريس ليسينج الشيوعية وتزوجت من لاجئ يهودي فر من المانيا خلال الحقبة النازية. وهي تقول متطرقة الى ما افضت اليه الشيوعية: «النتائج كانت كارثة حقيقية على جميع المستويات. والامر لا يتعلق فقط بما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي، بل بالصين ايضا. وقد سمعت ان ضحايا الثورة الثقافية بلغ عددهم 40 مليونا. غير ان ستالين يظل اكبر سفاح في تاريخ الشيوعية بأسره، كما ان لينين لم يكن افضل منه. غير ان الناس لا يتجرأون على قول هذه الحقيقة ربما لانه مات بعد نجاح الثورة بقليل».. وعن الالتزام في الادب تقول: «هناك من يقول ويكتب انني كاتبة ملتزمة. غير انني لم اكتب كتابا واحدا بهدف تمرير رسالة عقائدية. الناس لا يفرقون بين ان يكتب الانسان حول السياسة وبين ان يكتب كتبا سياسية. كنت قد كتبت كتابا يروي مغامرة مجموعة شيوعية في جنوب شرقي آسيا. وقد قيل وكتب انها رواية ملتزمة. غير ان هذا ليس صحيحا مطلقا ذلك ان الرواية كانت مجرد تصوير من الخارج.

الكتاب الملتزم هو في نظري رواية 1984 لجورج اوروسيل، وبالتالي اعتقد ان هذه الرواية هي افضل رواية ملتزمة قرأتها في حياتي كلها».

وعن تعلق المنظمات النسوية بها خصوصا بعد صدور روايتها «الدفتر الذهبي» تقول ليسينج: «انا لا افهم ابدا مثل هذا التعلق ولا ادرك سببه. وفي كل مرة طلبت فيها من احدى المتعاطفات مع المنظمات النسوية ان تفسر لي لماذا تعتبر ان افضل كتاب بالنسبة لها هو «الدفتر الذهبي»، تعجز عن تقديم سبب لذلك. انا لا افهم لماذا فوجئ الناس جدا عندما رويت كيف ان النساء يتحدثن حقا في المطبخ. هذا ليس امرا نسويا. وتفسر ليسينج هجومها على سيمون دي بوفوار قائلة: «اولا لأنها حقا ليست روائية حقيقية. انها كاتبة جيدة تحسن فن السجال لكنها ليست روائية. ثم اني اختلف عنها اختلافا جذريا. فهي لم تكن تحب ان تكون امرأة. وكانت تعتقد انها ظلمت لما خلقت امرأة ثم ان جميع كتبها موسومة بكراهية لجسدها. وانا لا يمكن بأي حال من الاحوال ان أتماثل مع امرأة كهذه». ولانها على قائمة المرشحين لجائزة نوبل للآداب، تقول دوريس ليسينج: «منذ سنوات عديدة وهم يتحدثون عن هذا الامر وماذا تريدون ان اقول في هذا الموضوع؟ في الحقيقة انا لم اعد افكر فيه مطلقا. عندما سمعت انني على قائمة المرشحين لهذه الجائزة منذ سنوات، سعدت بذلك غير ان الامر دام طويلا.. وفي الحقيقة ليس على الكاتب ان يهتم بالجوائز التي يمكن ان يحصل عليها».

حب الكلمات مثل الروائية الراحلة ناتالي ساروت، تحب الروائية الفرنسية كامي لورنس الكلمات، وتعشق اللعب بها، وتحترم استقلالية كل واحدة منها، ونغمتها، ودورها في صياغة الجملة. وهي تقول ان الكلمات تبادلها نفس الحب ونفس المشاعر. وفي مقال حول علاقتها بالكلمات كتبت كامي لورنس تقول: «الكلمات كانت حبي الوحيد. عاشقة لها، انا لا استخدمها لكي اكتب. انا اكتب لكي أحدثها، واجذبها الي، وامغنطها. ان يكون الانسان كاتبا، يعني ان يعيش مثل هذا الانجذاب نحو الكلمات. فنحن نكتب لكي تأتي الكلمات. نحن نكتب لكي نجذب الينا الكلمات التي نجدها. الكلمات المعشوقة». غير ان كامي لورنس سرعان ما تستدرك لتقول: «غير ان الكلمات ليست حبي الوحيد. احب الرجال ايضا والاطفال».

وعن الرجال تكتب كامي لورنس في روايتها الجديدة تقول: «اسوأ الرجال بالنسبة لي، الرجل الشنيع، وهو ذلك الرجل الذي يحتقر النساء، انا لا اتكلم عن الرجل الذي يرفض المرأة لانها لا تروق له أو لأنه يحب غيرها. اتكلم عن ذلك الذي يرغب فيها، يحتقر الرغبة التي يولدها فيها. لقد سبق لي ان رأيت مثل هذا، احيانا حتى لدى العشاق الجديين. نعم، كل هذا يأتي من بعيد، يأتي من وراء الحب، كما لو ان الكراهية ليست سوى سن القفا من الجانب الخلفي، كراهية الآخر الذي يجبرها على ان تكون مثله، وهو يحتقرك كما لو انه يكره نفسه، واباه وامه والارض معهم».

جزائرية أمام نفسها تدعى نينا بوراوي. في الثلاثين من عمرها. لها جمال وانوثة كلوديا كاردينالي في عز شبابها. وهي جزائرية، تعيش في باريس منذ سنوات طويلة، وتكتب بالفرنسية. وقد اصدرت حتى هذه الساعة ست روايات نالت عليها تقدير النقاد واعجابهم. وفي روايتها الجديدة «الولد المنقوص» تروي بعض تفاصيل سنوات المراهقة في بلدها الاصلي، الجزائر. وهي تقول عن ذلك: «انا لم احب ابدا الطريقة التي تحدثت بها عن الجزائر. هناك كليشيهات كثيرة ونواقص تدل على عدم المهارة. ومن كتابي الاول الذي كتبته وانا في التاسعة عشرة من عمري، كل هذا بشكل واضح. في هذا الكتاب تحدثت عن وحدة النساء، وظن القراء انني اتحدث عن نفسي. ولأنني لم اقبل سوء التفاهم هذا، فإنني فضلت الاختفاء وراء قناع حارسة مقبرة في رواية ثانية لي ثم وراء فتى مريض بحبه وبكراهيته لامه في رواية ثالثة ثم في رواية رابعة وراء امرأة عجوز تعذبها ذكريات ماضيها. وانا في روايتي الجديدة اخترت ان اواجه القارئ واقول له من انا».

وكانت نينا بوراوي في الرابعة من عمرها عندما قررت عائلتها مغادرة مدينة «ران» الفرنسية حيث كان والداها يدرسان لتعود الى الجزائر. غير ان الزوجة الفرنسية واجهت مصاعب كثيرة هناك. وعن ذلك، تكتب: «فرنسا البيضاء غير محتملة. انها تحمل ولادتي ثم رحيلي. ولدت من جديد في الجزائر العاصمة في شقة تواجه الخليج وذلك في سبتمبر (ايلول) 1967. هناك اكتشف نفسي. هناك اصيغها واصيغ وجهي وعيني وصوتي. كل شيء يتم هناك في وحدتي الجزائرية». هناك في الجزائر التي لا تزال جراح الحرب الطويلة واضحة على ملامحها، تبدأ قصة نينا بوراوي. والسؤال الاول الذي واجهها به الواقع الجديد هو: من انت؟ هل انت فرنسية أم جزائرية؟: «امكث مع امي. امكث مع ابي. اخذ الاثنين معا. اخسر الاثنين معا. كل جزء يمتزج بالآخر ثم ينفصل عنه. كل جزء يعانق الآخر ثم ينفجر الخصام بينهما. انها الحرب مرة والوحدة مرة أخرى. انه الرفض مرة والغواية مرة أخرى. انا لا اختار، ان اروح واجيء». ووسط هذه الحيرة، تختار نينا ان تكون فتى تهبه اسم احمد وتتخلى عن ثياب الفتاة التي كانت سترتدي ثياب الفتيان في مثل سنها، وتقص شعرها، وتختفي وراء القناع الذي اختارته لنفسها.

فسفور في بلاد الأحلام تعتبر ريكي دوكورنيه واحدة من ألمع الكتاب الاميركيين راهنا وذلك بشهادة واحد من اهمهم وهو ويليام جاس. وقد ولدت قرب نيويورك عام 1943. وخلال الستينات اقامت في الجزائر وهناك انجزت العديد من الرسوم. بعد الجزائر، سافرت الى مصر، ثم الى الشيلي، فإلى كندا وفرنسا التي اقامت فيها على مدى عشر سنوات. والآن تعمل استاذة في جامعة كولورادو. وحتى هذه الساعة انجزت ريكي دوكورنيه ست روايات وفيها جميعا اظهرت ميلا الى الحكايات الخارقة والعجائبية التي تذكر احيانا بجوناثان سويفت واحيانا أخرى بخورخي لوسين بورخيس. وفي روايتها الجديدة: «فسفور في بلاد الاحلام» ظلت متمسكة بهذا الاختيار وبهذا التوق نحو الغرائبي. وتدور احداث الرواية في جزيرة تدعى «لوبوتيريا» تخترقها قافلة من المكتشفين بينهم فتى يدعى فسفور يتحلى بذكاء خارق وبقدرة فائقة على حب الآخرين. وهناك شخصيات أخرى مثل نيبوليوس العالم المتسول، وفاتسها، تاجر العبيد الذي تلاحقه صور ضحاياه، وياهو كلاي، الكائن الشاذ الخلقة الذي يذكر بشخصيات «رحلة جوليفر» لسويفت.. ويبدو ان ميل ريكي دوكورنيه لهذا النوع العجائبي من الروايات تضاعف عقب النجاح الهائل الذي حققته رواية البرازيلي باول كوهالو «الخيميائي».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام