الجمعـة 17 محـرم 1432 هـ 24 ديسمبر 2010 العدد 11714
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

تآكل أطراف الكروموسومات.. ساعة الشيخــوخة المبرمجة

مثبطات «تيلوميريز» بين البحث عن الخلود ومكافحة السرطان

د. مدحت خليل
«ساعة الشيخوخة المبرمجة» و«إنزيم الخلود».. مصطلحان طفوا على سطح الأبحاث العلمية منذ حصول ثلاثة علماء على جائزة نوبل في الطب عام 2009، مكافأة لأبحاثهم المتميزة في مجالات البحث عن أسرار الشيخوخة والسرطان.

وقد استطاع العلماء التوصل إلى معرفة تركيب إنزيم «تيلوميريز Telomerase» المسؤول عن الحفاظ على حيوية الخلايا بالجسم لأجل غير مسمى، وهو الإنزيم المسؤول أيضا عن خلود خلايا السرطان ونموها وتكاثرها بشكل مستمر. لذلك يسعى العلماء في الآونة الأخيرة إلى اكتشاف وتطوير عقاقير حديثة أطلقوا عليها مثبطات إنزيم تيلوميريز (Telomerase Inhibitors)، من شأنها إيقاف عمل إنزيم تيلوميريز لدى الخلايا السرطانية والحد من انشطاراتها المسؤولة عن مواصلة نموها وتكاثرها المستمر، الأمر الذي يفتح آفاقا جديدة في علاج السرطانات المختلفة.

يرى العلماء أن إنزيم تيلوميريز داخل الخلايا السرطانية يعتبر هدفا مثاليا لمنع تطور الخلايا السرطانية ونموها المستمر، لأن إيقاف نشاط الإنزيم يؤدي إلى تحويل الخلايا السرطانية التي تتميز بالقابلية على «الخلود» إلى خلايا ذات عمر زمني محدد.. تصاب بالشيخوخة والموت! القطعة الطرفية

* كلمة «تيلومير Telomere» مشتقة من كلمة يونانية مكونة من جزأين، «Telos» وتعني نهاية، و«Meros» وتعني «جزء» أو «قطعة»، أي «القطعة الطرفية» التي توجد عند طرفي كل كروموسوم بشري لحمايته من التلف، ولذلك يشبه بعض العلماء «التيلومير» بالأسطوانة المعدنية التي تثبت عند طرف رباط الحذاء لحمايته.

والقطعة الطرفية عند طرف الكروموسوم البشري تتكون من تتابع (سلسلة) كيميائي مركب من قواعد أمينية (TTAGGG) متكررا ألفي مرة، وقد نجح العلماء في السنوات الأخيرة في تحديد التركيب التسلسلي للتيلوميرات لدى الإنسان والكثير من الحيوانات والنباتات والميكروبات أيضا. والحق أن أحدا ممن أسهم في التعرف على التيلومير لم يتخيل مطلقا أن هذا التركيب الذي يبدو للبعض دون معنى، إنما يعبر عن «ساعة الشيخوخة» التي تؤرق الإنسان منذ الخلق حتى الآن! ولاحظ البيولوجيون منذ السبعينات من القرن العشرين أن «إنزيمات بلمرة الحامض النووي DNA»، وهي الإنزيمات المسؤولة عن مضاعفة الحمض النووي أثناء عملية الانقسام الخلوي، لا تستطيع نسخ الكروموسومات على مدى طولها حتى الأطراف، وتترك دوما في كل دورة منطقة صغيرة عند النهاية دون نسخ. وهذا يعني أن القطعة الطرفية من الكروموسوم (تيلومير) لا بد أن تتآكل مع توالي عمليات الانقسام الخلوي، مما يؤدي إلى تناقص طول التيلومير.

وعندما يصل طول التيلومير إلى درجة معينة من التناقص، تبدأ سلسلة من الأحداث المأساوية بالخلية يكون من شأنها إيقاف الانقسام الخلوي تماما. ومن ثم تبدأ الخلية في الدخول إلى طور الشيخوخة والانهيار، أي أن تناقص طول «التيلومير» هو السبب الفعلي في حدوث شيخوخة الخلايا والأبدان.

شيخوخة الخلايا

* يرجح العلماء أن اختلاف الفروق العمرية بين الكائنات المختلفة والفروق العمرية بين إنسان وإنسان ترجع إلى الفروق في أطوال «التيلومير»، كما تختلف أيضا أطوال «التيلومير» بين خلايا الأنسجة المتباينة في الجسم.

وعلى سبيل المثال، فإن «تيلومير» خلايا بطانة الأوردة أطول دوما من «تيلومير» خلايا بطانة الشرايين، ويرجع ذلك إلى تعرض خلايا الشرايين للمجهود المضني والتلف بصورة أكبر من مثيلتها في الأوردة، مما يستدعي المزيد من إجراءات الترميم والمزيد من عمليات الانقسام الخلوي والمزيد من تناقص أطوال «تيلومير» خلايا الشرايين وظهور علامات الشيخوخة بسرعة أكبر من خلايا الأوردة. وهذا الذي يجعل الناس يضجون دوما من تصلب شرايينهم، لا من تصلب أوردتهم.

إنزيم تيلوميريز

* أكدت الأبحاث أن آلية عمل الماكينة الكيميائية - الحيوية المسؤولة عن استنساخ الحامض النووي، أثناء عمليات الانقسام الخلوي، ليس بوسعها أن تعمل دون حذف جزء من القطعة الطرفية للكروموسوم (تيلومير). الأمر الذي يؤدي إلى تآكله تدريجيا وصولا إلى مرحلة الشيخوخة، وفي نفس الوقت تمتلك الخلية البشرية ماكينة كيميائية - حيوية أخرى للتعويض والترميم تعتمد على إنزيم «تيلوميريز Telomerase» المسؤول عن ترميم الأطراف المتآكلة للكروموسومات من أجل إطالة عمر الخلية وتأخير ظهور الشيخوخة المبرمجة.

لذا أطلق العلماء على إنزيم «تيلوميريز» اسم الإنزيم المعجزة أو إكسير الحياة الخالدة أو إنزيم الخلود. والمثير للدهشة أن الخلايا الجنينية (Embryonic cells)، فيما قبل مرحلة التمايز الخلوي، تصنع إنزيم تيلوميريز بصورة روتينية وآلية تعوض قدرتها على التكاثر السريع والانقسام. ولكن ما إن يكتمل نمو الخلايا الجنينية حتى تتوقف عن إنتاج إنزيم «تيلوميريز»، وإيقاف تصنيع الجينات التي تصنعه في كل أنسجة الجنين، فيما عدا أنسجة معدودة مثل خلايا التكاثر (التناسلية). لذلك يشبه العلماء تأثير إيقاف تشغيل جينات إنزيم «تيلوميريز» بأنه البداية لعمل ساعة التوقيت المبرمجة التي تحصى التيلوميرات والانقسامات في كل خط من الخلايا، وعند نقطة معينة تصل الخلايا إلى مرحلة الشيخوخة والموت.

ولذلك حاول بعض الباحثين تحفيز الخلايا على مواصلة الانقسام عن طريق تنشيط إفراز إنزيم «تيلوميريز»، وقاموا بزراعة الخلايا المنشطة في مستنبت مختبري. وكانت دهشتهم كبيرة حينما وجدوا أن الخلايا راحت تنقسم وتنقسم من دون توقف وعلى نحو نشيط مفعم بالحيوية والشباب، ولعلها ما زالت في أطباق الزرع تعيش حتى اليوم دون أن تعاني من الشيخوخة.

الخلود للجنس والسرطان خلايانا ليست خالدة، فهي تصاب بالشيخوخة والموت لأنها تفتقر إلى إنزيم «تيلوميريز»، باستثناء الخلايا التي تتطلب ديمومة غير عادية. لذلك يوجد الإنزيم في خلايا النسيج التكاثري، مثل الطلائع الأولية للحيوانات المنوية والبويضات.

والحقيقة أن هذه الخلايا هي وحدها هنا التي نجحت في عدم تشغيل ساعة الشيخوخة المبرمجة، أو بمعنى آخر لم توقف تشغيل الجينات الصانعة لإنزيم «تيلوميريز» من أجل الحفاظ على ديمومة النوع في كافة الكائنات كثيرة الخلايا.

وللأسف، يتوافر إنزيم «تيلوميريز» في الخلايا السرطانية المدمرة، فهذه الخلايا وهي في الأصل خلايا عادية، تستطيع إعادة تشغيل ساعة التوقيت والجينات الصانعة لإنزيم «تيلوميريز» المتوقفة منذ المرحلة الجنينية للخلية. وبالتالي تحتفظ الخلايا السرطانية بأطوال التيلوميرات، وتعكف أولا بأول على إنقاذ تيلوميراتها المتقاصرة والمحافظة عليها. الأمر الذي يغذي نزعتها في الانقسام والتكاثر على نحو غير محدود، وهو ما يطلق عليه الخلود المدمر لخلايا السرطان.

ألا يشير هذا السيناريو إلى بعض جوانب الحكمة من وراء فقدان خلايانا الطبيعية لإنزيم «تيلوميريز»، وفقدانها القدرة الدائمة على الانقسام؟ فلعل هذه الآلية العجيبة في الخلق لا تستهدف بالضرورة جعلنا هرمين، بقدر ما تستهدف حمايتنا من السرطان اللعين. ونفس الآلية التي تستطيع مساعدتنا في مقاومة السرطان، هي التي تحول دون إطالة حياة الإنسان.

البيئة والوراثة

* هل الشيخوخة الطبيعية مبرمجة ومحكومة بساعة بيولوجية محددة داخل خلايانا، أم إنها ناتجة عن عمليات الهدم التي تصيب خلايانا نتيجة التعرض لما يحيط بها من عوامل بيئية مختلفة؟

الأرجح أن الشيخوخة هي محصلة عوامل الوراثة والبيئة معا، فالعامل الحاسم في حدوث الشيخوخة هو طول «التيلومير»، وهي صفة متوارثة. ولكن ما فائدة «تيلوميرات طويلة» إذا كانت تعاني من التلف السريع بفعل عوامل الخطر البيئية التي تتطلب ترميما ومزيدا من الانقسام الخلوي، وقصر أطوال «التيلومير» بصورة سريعة تؤدي إلى شيخوخة الخلايا والأنسجة والأعضاء؟

المحتمل إذن أن الشيخوخة التي تباغت البعض قبل الأوان لا تعود بالدرجة الأولى إلى وراثة «تيلوميرات» قصيرة نسبيا من الآباء بقدر ما تعود إلى التلف الناتج عن العوامل البيئية التي تحفز إنتاج المزيد من الجذور الحرة الضارة.

لقد أثبتت البحوث التي أجريت على ذبابة الفاكهة أن معظم الطفرات التي تؤجل شيخوختها تحدث في جينات تكبح إنتاج الجذور الحرة، بمعنى أن الوقاية من التلف الذي تسببه الجذور الحرة يعد أحد العوامل المهمة التي تؤخر وصول قطار الشيخوخة السريع.

الشيخوخة الصحية

* المؤكد أن أبحاث الشيخوخة لا تستهدف إطالة عمر الإنسان، لكنها تهدف إلى التوصل إلى شيخوخة صحية، فما فائدة أن يحظى الإنسان بحياة طويلة مديدة إذا كان في النهاية سيصبح مقعدا مريضا مهتزا، أو يتحدث إلى نفسه بلا انقطاع؟ لعل الوضع المثالي الذي يمكن أن نبتغيه هو أن يعيش المرء ما قدر له من عمر، قويا صحيحا ثم يمضي في عملية انهيار سريع ليموت وهو «واقف منتصب»، كما يقال!

* استشاري الجهاز الهضمي والكبد والتغذية العلاجية في كلية الطب بجامعة القاهرة

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام