الاربعـاء 11 ربيـع الاول 1429 هـ 19 مارس 2008 العدد 10704
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

أفغانستان من الداخل (الحلقة الخامسة) ـ البروفيسور برهان الدين رباني الرئيس الأسبق لحكومة المجاهدين الافغان لـ «الشرق الأوسط» القتال لن يحل مشاكل أفغانستان.. ومركز صناعة القرار ليس في يد الحكومة

قال إن حركة طالبان يمكن اختراقها من جهة الحوار مع المعتدلين

برهان الدين رباني
دورية عسكرية لقوات الناتو في احدى القرى الافغانية («الشرق الأوسط»)
كابل : محمد الشافعي
البروفيسور برهان الدين رباني هو ثاني رئيس لدولة المجاهدين في كابل بعد سقوط الحكم الشيوعي فيها في أبريل (نيسان) 1992، خرج من كابل في 26 سبتمبر (ايلول) 1996 على يد حركة طالبان. ظل يتنقل في ولايات الشمال التابعة له. وهو يعتبر أحد أبرز زعماء تحالف المعارضة الشمالي من السياسيين والمعارضين لطالبان. وهو اليوم يقود «الجبهة المتحدة لانقاذ افغانستان»، وعضو فاعل في البرلمان ويشرف على محطة تلفزيونية وليدة اسمها «النور» وهي قناة اسلامية على غرار محطة «أقرأ»، والقناة الوليدة بالبشتو والداري، وقد بدأت بثها التجريبي، وهدفها التصدي كما يقول الشيخ رباني للهجمة الثقافية الغربية الشرسة على ارض الافغان. ويعمل الشيخ رباني ايضا على توسيع سلسلة مدارس اسلامية للبنات نواتها مدرسة السيدة فاطمة الزهراء في العاصمة كابل، بهدف تربية جيل من الفتيات على الفضيلة والاخلاق الاسلامية، بعيدا عن نواحي الحياة الغربية التي تكتسح مظاهر الحياة في العاصمة كابل. ورباني من مواليد 1940 في مدينة فيض آباد مركز ولاية بدخشان. ينتمي إلى قبيلة اليفتليين ذات العرقية الطاجيكية السنية. التحق بمدرسة أبي حنيفة بكابل، وبعد تخرجه من المدرسة انضم إلى جامعة كابل في كلية الشريعة عام 1960، وتخرج منها عام 1963، وعُيِّن مدرسا بها. في عام 1966 التحق بجامعة الأزهر وحصل منها على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية عاد بها إلى جامعة كابل ليدرس الشريعة الإسلامية. واختارته الجمعية الإسلامية ليكون رئيسا لها عام 1972. وفي عام 1974 حاولت الشرطة الأفغانية اعتقاله من داخل الحرم الجامعي، ولكن نجح في الهروب إلى الريف بمساعدة الطلبة. ويتذكر الشيخ رباني الذي يتحدث العربية بطلاقة، باجلال اساتذته المصريين في الفقه والشريعة وعلوم الدين، مثل الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الازهر الراحل، الذي نصحه بدراسة شخصية العالم الافغاني اللغوي عبد الرحمن جامي كمدخل لرسالته للدكتوراه، واستاذه في الفقه عبد الله عطوة، والشيخ الصواف». وتحدث عن ذكرياته في شوارع القاهرة، وكان عمره وقتها 28 عاما، واشار الى انه زار القاهرة منذ عدة ايام على رأس وفد برلماني افغاني للمشاركة في اجتماعات البرلمان الاسلامي. ومنذ الاحتلال السوفياتي لأفغانستان عام 1979 كان برهان الدين رباني مشاركا في أعمال المقاومة ضد السوفيات التي عرفت باسم «الجهاد الأفغاني» وكانت قواته أول القوات التي تدخل كابل بعد هزيمة الشيوعيين فيها. وتحدث رباني عن حركة طالبان وكشف للمرة الاولى ان الملا عمر لا يحكم قبضة من حديد على الحركة بالكامل، ويمكن اختراقها من جهة القادة المعتدلين فيها لاجراء حوار معهم من اجل اعادة الامن والاستقرار الى ربوع البلاد. وقال طالبان ليست عينة واحدة، ففيهم المتطرف والمتشدد وفيهم أناس يمكن التفاهم معهم، وأرى أنه حل المشكلة، ليس بالقتال، لا بد أن نبحث عن طريق التفاهم والحل السياسي». «الشرق الاوسط» زارته في مقر اقامته الخاصة وهي عبارة عن فيلا فخمة يحرسها مقاتلون اشداء من وادي البانشير في شارع مغلق على عدد قليل من الفلل، في حي وزير اكبر خان الذي توجد فيه كثير من السفارات الغربية، وكان في عهد طالبان الحي المفضل لسكن الافغان العرب، وكان يعرف باسم حي «سويسرا العرب». وجاء الحوار مع البروفيسور رباني على النحو التالي:

* هل الجبهة المتحدة لانقاذ افغانستان التي تتولون رئاستها ما زالت مستمرة حتى اليوم؟

ـ مستمرة والحمد لله ولن تتوقف من اجل العمل لاعادة الامن الى افغانستان».

* لماذا لم تتمكن حكومة الرئيس كرزاي من فرض الامن والنظام على شوارع افغانستان رغم المساعدات المالية التي تتلقاها من الغرب؟

ـ الخطة التي وضعت في بون لانقاذ افغانستان بعد سقوط طالبان، كانت خطة ناقصة اتخذت على عجالة بدون تفكير حقيقي في كل الجوانب، علما انني كنت اصر حينذاك ان يكون هناك لقاء في بون ومشاورات دون اتخاذ قرارات حاسمة لانها يجب ان تكون على ارض الواقع في افغانستان، ولكن التسرع كان من اجل مسميات الحرب على الارهاب، وكنت اقول لهم يجب ان نأتي الى كابل للتباحث في مصلحة الشعب الافغاني، ثم يجب علينا بعد ذلك ان نتخذ القرارات بالتأني، ولكن القرارات كانت على عجالة، وكان التفكير ينصب على ضرب الارهاب العالمي من دون ايجاد حلول لمشاكل الشعب المزمنة، والنتائج في مجملها لم تكن على الوجه المطلوب، وجاءت على مزاج من اتخذ تلك القرارات. وكما تعلمون القضايا الاجتماعية اذا لم تراع الظروف الموجودة لابناء الشعب لا تكون النتائج سليمة، والذين اتخذوا تلك القرارات كانوا يفكرون في كيفية ازاحة الرموز والوجوه القديمة، ليس طالبان فحسب ولكن رموز المجاهدين ايضا، الذين كانوا يقاومون طالبان ايضا، وقادة المجاهين الافغان الذين قاوموا الروس، وكانوا سببا في الاطاحة بالنظام السوفياتي وهزيمة الجيش الروسي في افغانستان. وكان هناك اتجاه ان يأتوا بكل شيء جديد من طواقم سياسية الى الطواقم الامنية، لا بد ان تكون وجوها جديدة، وهذه الطواقم جاء بعضها من الارض ولم يكن لها علم بارض شعب افغانستان، ولم يكن لديهم قبول من الشعب الافغاني. اما الطاقم الامني فلا يعرف الارض والوديان وسهول الافغان، والشعب الافغاني لا يقبل الاجنبي مهما كان تحت اية ظروف، ثم اعادوا تعديلات على الدفاع والداخلية، وكل شيء يجمعونه على مزاجهم الخاص، وكانت الجهود المبذولة هباء مبثورا». اما الرئيس كرزاي فقد جاء بوفاق دولي، وكان الواجب ان يكون هناك تدرج، وبعدها يجب ان تتخذ قرارات، بناء على الواقع الموجود على الارض ولكن الامور صارت على النهج الذي كانوا يفكرون به من الخارج وليس على الطريقة التي يرضى بها الشعب الافغاني من الداخل».

* هل عادت العافية الى حركة طالبان. ومما تستمد قوتها؟ ـ ليست القوة قوة طالبان بل ضعف الحكومة الحالية، ثم تصرفات القوات الاجنبية ضد الشعب الافغاني والخلل الموجود في الحكومة، كان سببا لان يدفع شباب الافغان الى الانضمام الى صفوف طالبان، اي ان طالبان نجحت في تجنيد ابناء الشعب بسبب الخلل الحاصل على الارض، والذين يقاتلون ليس كلهم طالبان.

اما بالنسبة لامداد طالبان بالسلاح فمما لاشك فيه هناك جهات مختلفة من الخارج والداخل والدول المجاورة والصراعات الدولية موجودة، وهناك اخرون من يريد ان يقاتل عدوه ليس على ارضه ولكن على ارض الافغان، لا أريد ان اسمى احدا لكن هناك جهات مختلفة، والجميع ليس على قلب رجل واحد.

* هل يمكن مقارنة الوضع في افغانستان .. بما يحدث في الشارع العراقي اليوم؟ ـ في افغانستان لاشك ان القوات الاجنبية جاءت بقرار دولي اما في العراق، فلم يكن بقرار دولي انما الاميركيين ذهبوا الى هناك بقرار منفرد اتخذوه بانفسهم، بعد ان بحثوا عن ذريعة للتدخل في العراق، اما في افغانستان، فان الدول الاسلامية، شاركت واتفقت على التدخل ايضا في افغانستان.

* نسبة كم من الشعب قريبا يؤيدون من وجهة نظركم التواجد الاجنبي في افغانستان؟

ـ حسب اعتقادي، الاغلبية من الشعب الافغاني لا يؤيدون الوجود الاجنبي على ارض بلادهم، والذين يقولون لا بأس من وجود تلك القوات، اي اشبه بتناول الدواء المر، اي يقولون حتى نستطيع ان نبني قوات الامن والجيش اي حتى لا يحدث فوضى في الشارع، وربما بنسبة 20 في المائة يوافقون على بقائها لفترة محدودة.

* هل تعتقد ان القوات الاجنبية ستخرج يوما من الاراضي الافغانية؟

ـ الشعب الافغاني لن يسمح ان يكون الى الابد تحت رحمة قوات اجنبية داخل اراضيه، وفي نهاية الامر ولو طال الزمن ستتولى الحكومة الافغانية شؤون الامن والدفاع».

* هل العمل العسكري هو الذي سيعيد الامن والسلام الى اراضي الافغان ام دعوات الحوار والمصالحة؟

ـ دعوات الحوار والمصالحة ضرورية جدا، لانه بالقتال لا يمكن حل القضايا العالقة، وكلما اشتد القتال، على الجانب الآخر تتسع فكرة الثأر والانتقام، وهذه طبيعة الشعب الموجودة على الارض، والتي عهدناها من ظروف التاريخ التي مرت بنا.

* هل يمكن التفاهم والتحاور مع العناصر المعتدلة من طالبان؟ ـ اصر على الحوار وانادي به دائما، لانه كلما استمر القتال يكثر الضحايا، وهناك ابرياء من ابناء الشعب يضيعون هدرا كل يوم، ولا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحرب المجنونة. وفي داخل طالبان المتطرف والمتشدد فيهم أناس ممكن التفاهم معهم، فأنا أرى أن حل مشكلة أفغانستان ليس بالقتال، لا بد أن نبحث عن طريق التفاهم والحل السياسي هو الاجدى.

* باعتقادكم .. هل يمكن التفاهم مثلا مع الملا عمر؟

ـ انا اعتقد ان وضع الملا عمر ليس مثل السابق، من جهة احكام قبضته على الحركة اي انه ليس القوة المسيطرة على جميع الامور في طالبان اليوم، مثلما كان في السابق، ويمكن اختراق طالبان من جهة اجراء حوار مع المعتدلين، وهؤلاء وآخرون يستطيعون قلب الموازين لصالح الامن والسلام».

* اذا رجعنا الى الوراء من وجهة نظركم هل ساعدت دول إسلامية حركة طالبان ضد قوات التحالف الشمالي؟ ـ معلوم صراحة ان باكستان كانت تساعد طالبان، وكانت باكستان تسعى الى جر بعض الدول العربية، وفي الخليج لمساعدة طالبان، ولكن الظروف التي كانت حينذاك سببا في استمرار بعض الدول الى الوقوف حلف طالبان».

* لماذا كان الموقف مشوش في بعض الدول العربية ضد جبهة التحالف الشمالي؟ ـ السبب يعود الى الدعايات السيئة التي لحقت بالجبهات الجهادية في الشمال، حتى في الايام الاولى كان بعض الاخوة من المجاهدين، كانت رسالتهم ان يعملوا دعاية مغرضة ضد الجبهات الجهادية في الشمال في حين ان اقوى تلك الجبهات كانت في الشمال ضد الروس، والثقل كله كان في الشمال من جهة الترسانة الروسية، وبعد الانتصار على الروس اشتدت الدعايات ضد جبهة الشمال وبعض الاخوة العرب لم يتحققوا من الغرض من تلك الدعايات، واخطأوا خطأ كبيرا بمساعدة حكمتيار والوقوف الى جانب طالبان في وقت لاحق.

* لماذا نجحت طالبان في منع زراعة المخدرات .. واليوم تزدهر صناعة الافيون في هلمند لدرجة ان بعض الاحصائيات تقول ان 50 في المائة من الانتاج العالمي من الافيون يخرج من الاراضي الافغانية؟ ـ مافيا المخدرات الدولية موجودة الان في الاراضي الافغانية، وهناك لها قواعد في الداخل، ثم ان المواجهة ومكافحة المخدرات لا تتم بصورة جدية، ولكن طالبان تشجع الناس اليوم على زراعة الافيون لانها تستفيد من حاصلات الافيون في حربها ضد الحكومة، والمزارعون يدفعون لهم ايضا اتاوة وتبرعات».

* هل اساء ابن لادن والعرب الى افغانستان من خلال ما ارتكبوه من انتهاكات بحق الشعب في عهد حركة طالبان؟ ـ لا أعتقد ان العرب هم السبب في كل ما جرى، بل كانت هناك مؤامرة دولية، علما ان هناك جهات في اميركا كانت تشجع وتساعد طالبان، في صحفها وداخل اروقة الحكومة كانوا يعتبرون طالبان «المسلمون التقليديون»، في مواجهة الاصوليين المجاهدين، لان طالبان لم تكن تعارض الغرب، وكانوا يطالبون الدول العربية والخليج بمساعدة طالبان».

* مركز صناعة القرار في افغانستان في يد من اليوم؟ ـ صناعة القرار اليوم كلها ليست في يد الحكومة، ولاشك ان الدول التي تساعد افغانستان لها الكلمة الاولى في صنع القرار، اي ان اميركا لها دور كبير في اتخاذ القرارات في مجمل القضايا المختلفة.

* هل المجاهدون اليوم مهمشون وليس لهم اي دور في الحياة السياسية؟ ـ ليسوا مهمشين تماما بالمعنى العام ولكنهم موجودون في الحكومة وفي الجيش، ولكن ليس بالحجم الكبير، وكذلك هم موجودون في البرلمان بصورة كبيرة، ويسيطرون تقريبا على نحو 90 في المائة من مقاعد البرلمان.

* كيف تقضي يومك؟

ـ انا مشغول جدا، فاعمل في تدريس النظام السياسي الاسلامي لطلبة كلية الشريعة بجامعة كابل، واترأس اجتماعات الجمعية الاسلامية وكذلك انا عضو في البرلمان، واشرف على اجتماعات «جبهة انقاذ افغانستان»، واكتب في الجرائد والمجلات، واشارك في ندوات في الداخل والخارج واستقبل يوميا في منزلي العشرات من الزئرين، واحيانا حتى منتصف الليل، وانشأت مؤخرا قناة تلفزيونية اسمها «النور» وهي محطة اسلامية هدفها اعادة التوازن الى الشارع الافغاني في مواجهة هجمة الثقافة الغربية على بلادنا، ضد محاولات افساد الشعب الافغاني عبر القنوات الفاحشة، وهذه القناة الوليدة تحتاج الى الدعم من الاخوة العرب والمسلمين والمختصين في مجال البث المرئي الاسلامي، بالاضافة الى اشرافي على سلسلة من المدارس الاسلامية نواتها مدرسة فاطمة الزهراء في العاصمة كابل.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام