الثلاثـاء 05 جمـادى الثانى 1429 هـ 10 يونيو 2008 العدد 10787
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

حقيقة موقف الفيلسوف الفرنسي فولتير من رسول الله محمد ومن رسالته

د. خالد بن عبد الرحمن الشايع*
بداية ندرك نحن أهل الإسلام مقام رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وعظمته، وأنه بمكانة لا يحتاج معها لتزكية أحد من البشر بعد أن زكَّاه الله وعظم شأنه، ولكن أبى الله إلا أن يجعل من غير المسلمين من يشهد لنبيه شهادة الصدق والعدل.

وبين أيدينا الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ـ ماري أرويه François Marie AROUET (1694 ـ 1778) الذي عرف باسمه المستعار فولتير.

فولتير له مسرحية تدعي التعصب عام 1742 كتب فيها تهجمات على الإسلام وأن النساء يجبرن فيه على الإيمان، ويشكك فيها عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام، وضمنها وصفاً معتدياً بذيئاً نحو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. وقد صودرت هذه المسرحية بعد عام بسبب تحفظ الكنيسة عليها إذ رأت أن فولتير أراد نقدها من شريعة الإسلام.

وهو بهذا النعت غير المنصف والطعن بشخصية رسول الله محمد يستهدف معاداة أي فكرٍ ديني تواكباً مع الفترة التي شُنَّت فيها حملة عامة واسعة ضد الأفكار الدينية المسيحية تجاوباً مع مبادئ ما يسمى عصر النهضة والتنوير العقلي الذي ساد أوروبا آنذاك.

وفي حقيقة الأمر أن فولتير الذي نبذ التعصب في المجتمع الفرنسي ودعا لمحاربة التعصب إلا أنه ارتكب خطأً فكرياً فاحشاً في تأليفه مسرحية «التعصب» أو «حياة محمد» لأنها بنيت على مبادئ التعصب، بل وعلى البهتان والافتراء، لأنه أراد من خلال هذا العمل نقد الكنيسة وتدنيس كل مقدس، حيث وجد أن النيل من الإسلام ومن الرسول عليه الصلاة والسلام سيكون مقبولاً في مجتمعه ولدى الكنيسة، وهذا ما وقع ابتداء حتى تم عرض المسرحية لتعود الكنيسة إلى الممانعة في عرضها ومصادرتها لأنها وجدت نفسها معنية بها.

لكن فولتير عاد لينقض تلك الافتراءات ضد الإسلام، عندما عرف حقيقة الإسلام وما فيه من التوجيهات والمبادئ السامية، حيث تأثر بكتاب «سيرة حياة محمد» لمؤلفه هنري دي بولونفيرس الذي نُشر في لندن عام 1720، وفيه دفاعٌ عن رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، وردٌّ على المطاعن والانتقاصات التي افتُريت عليه، وأوضح أنَّ محمداً عليه الصلاة والسلام مبدعٌ دينيٌّ عقليٌّ يستحق التقدير حتى في الغرب.

وحينها ألَّف فولتير كتابه «بحثٌ في العادات» عام 1765 ومدح فيه الإسلام وأشاد بمحمد وبالقرآن، وقال: «إنَّ محمداً مع كونفوشيوس وزرادشت أعظم مشرعي العالم» على حد تعبيره.

وفي عام 1751 نشر فرانسوا فولتير كتابا بعنوان «أخلاق الأمم وروحها» دافع فيه عن محمد عليه الصلاة والسلام باعتباره مفكراً سياسياً عميق الفكر ومؤسس دين عقلاني حكيم، ومشيراً إلى أن الدول الإسلامية كانت تتمتع دائماً بالتسامح الذي خلا منه التقليد المسيحي تاريخياً.

وفي ضوء ذلك ألم يكن من الإنصاف والكمال أن يعمد مثقفو فرنسا وعموم المثقفين الغربيين والمتأثرين بأطروحات فولتير لأن يقدموا «بحث في العادات» على «التعصب»؟ أم أنه التعصب؟

ولنا أن نتساءل في خضم حملة المتطرفين في الغرب ضد الإسلام ورسول السلام محمد: ألم يئن لكم أن تراجعوا أنفسكم ونحن وإياكم في عصر التفوق العلمي والاتصال المدهش بين الأمم والثقافات؟ ألم يئن لكم أن تراجعوا أنفسكم لتتواكبوا مع روح هذا العصر بكل معطياته التي من جملتها دلائل صدق محمد وطهارته؟

ألم يئن الأوان في عصر التفوق العلمي والاتصال المدهش بين الأمم والثقافات لكي يراجع العقل الغربي حساباته، ويتخذ موقفاً أقرب إلى روح هذا العصر، وأكثر انسجاماً مع معطياته؟

ومما يلح بهذا المطلب كون العالم اليوم يشهد اضطرابات عديدة، أريقت فيها الدماء وأزهقت الأرواح، بغياً وعدواناً، بما يجعلنا أحوج ما نكون لنشر أسباب السلم والعدل، وخاصةً احترام الشرائع السماوية واحترام الأنبياء والمرسلين. فهذا المسلك يتحقق به حفظ ضرورات البشر في أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وغير ذلك من حقوقهم ومقومات عيشهم الكريم. وإن مثل هذه الأطروحات العدائية والاستفزازية نحو المقدسات لن تزيد العالم إلا شقاءً وبؤساً، ذلك أننا جميعاً بحاجة لمصادر الرحمة والهدى، والتي يسَّرها رب العالمين على يدي رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، فكان المستهزئون به عليه الصلاة والسلام، المشوهون لحقيقة حياته ورسالته ممن يصد الناس عن الخير ويمنع من استقرار العالم وطمأنينته، وهذا الصنف من الناس توعده الله في كتابه وندد بسوء فعالهم «الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ» [سورة إبراهيم 3].

وإنَّه لمن المؤسف لحال البشرية اليوم، مع ما وصلت إليه من التقدم في مجالات عديدة من علوم الدنيا، بما تتضمنه من الاكتشافات المبهرة، ثم يأتي في هذا الخضم من العواصم التي تدَّعي التحضر كتابات ساقطة وأطروحات تتردى معها تلك المجتمعات بسبب إسقاطات أخلاقية نحو المقدسات.

ولا ريب أن المسؤولية علينا أهل الإسلام مسؤولية عظيمة في منع هذا التشويه نحو الإسلام ونحو الرسول والقرآن، وكل يحمل جزءاً من المسؤولية.. قد تعظم وقد تقل، فالقادة والعلماء والمثقفون والإعلاميون والجاليات وغيرهم.. كل يتحمل مسؤوليته بحسب موقعه.

* الأمين المساعد للبرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة khalidshaya@hotmail.com

التعليــقــــات
محمد سيف الاسلام ايفنطرس، «المملكة المغربية»، 11/06/2008
سبق للكاتب المسرحي البريطاني برنادشو أن قال ( لو كان محمد بيننا لحل مشاكل العالم وهو يتناول فنجان قهوة) كما أن محمد عليه السلام صنف الاول في القائمة من ضمن 100 شخصية الذين اثروا في التاريخ. لكن بعض الظلاميين والمتعصبين اما من العالم الاسلامي او الغربي يريدون تشويه سمعته لكنه يبقى نورا يسطع على الانسانية جمعاء أحب من أحب وكره من كره فلا يجب الاكتراث لما يقولون فلا يمكن لاحد أن يحجب الشمس.
مصطفى عبدالله، «المملكة المتحدة»، 11/06/2008
جزاك الله خيرا يا أخ خالد ووفقك لكل خير وجعلنا واياك من انصار دينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ابو فيصل عبدالرحمن العبدالرحمن / الدمام، «فرنسا ميتروبولتان»، 11/06/2008
جزاك الله كل الخير يا د / خالد.
خلوصي بنلي اوغلو، «ايطاليا»، 12/06/2008
سلمت أناملك من كل سوء, بارك الله بك و بأمثالك الغيورين على دينهم وحبيبهم و قرآنهم.
بدون أدنى شك أن المسؤولية الكبرى تقع على كاهل أهل الإسلام في منع مجرد الوصول الى فكرة التشويه نحو الإسلام و نحو الحبيب المصطفى والقرآن الكريم , دع عنك القادة فهم في أفلاكهم و مجراتهم يسبحون , اما العلماء و المثقفون والإعلاميون في الداخل والخارج يجب أن يأخذوا على عاتقهم وظيفة الكتابة والنشر والإعلام بإتجاه الغرب و إشراك مفكريهم المسلمين و محبي الإسلام في تلك النشاطات .
أقول قولي هذا و كلي أمل بأن تذهب هذه الدعوة الى مسامع الأشخاص المعنيين والحريصين على رفعة دينهم وشأن نبيهم صلوات الله عليه و قرآنهم الكريم, مجاهدين في سبيل ان تكون كلمة الله جل جلاله هي العليا لا يعلوا عليها شيء في الدنيا وفي الآخرة , كرامة لحبيبه و حبيبنا المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام على آله وصحبه الكرام أجمعين , والسلام على من إختار وأتبع الهدى.
سعاد احمد، «المملكة المتحدة»، 15/06/2008
وفقك الله لكل خير يا شيخ خالد على هذا المقال الرصين وصلى الله على قرة اعيننا فداه ابائنا وامهاتنا عليه أفضل الصلاة والسلام .
عماد محمود شراب -جدة، «المملكة العربية السعودية»، 15/06/2008
جزاك الله خيرا يا د. خالد وجعل الله هذا في ميزان حسناتك. نعم هذا هو رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم الذي قال الله فيه في كتابه الكريم وانك لعلى خلق عظيم وقال تعالى ورفعنا لك ذكرك فالله عز وجل كرم محمد عليه افضل الصلاة والسلام افضل تكريم من فوق سبع سماوات وهدى به البشرية وانار به لهم طريق النور من الظلمات وهداهم الى طريق الهدى والحق الذي هو طريق الاسلام ونور الايمان. فها هم مؤلفين وكتاب ومستشرقين وعلماء من غير المسلمين يشهدوا بعظمة هذا النبي الكريم ونبل اخلاقه وسمو سجاياه فلو عرفوا قيمة هذا النبي العظيم لما شتموه ولما طعنوا في سيرته ولعرفوا انه فعلا لو كان حيا بيننا لحل مشاكل العالم اجمع فمحمد عليه الصلاة والسلام سيبقى نورا وهدى وقدوة للعالمين حتى قيام الساعة.
فضل القاهر، «باكستان»، 15/06/2008
كم نحن سعداء بوجود مثل هذه الشخصيات.
Salah Abdulla - Australia، «استراليا»، 15/06/2008
جزاك الله الف خير يا دكتور على المقال. اللهم صلي وسلم على الحبيب المصطفى سيدنا محمد.
سعيدالكربي مكة المكرمة، «فرنسا ميتروبولتان»، 15/06/2008
أثلج الله صدرك بكل ما تحب مثل ما أثلجت صدورنا بالاخبار السعيدة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونسأل الله ان يكثر من امثالك ونتمنى أن نجد من يترجم هذه الاخبار وتنشر في المواقع والمنتديات
لكي يعم الخير وبنتشر الخبر لعلها تكون هداية لشخصً ما ...
وفقك الله وجزاك الف خير.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام