الثلاثـاء 16 رجـب 1428 هـ 31 يوليو 2007 العدد 10472
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

كيف ترى الخرطوم أزمة دارفور (الحلقة الرابعة) ـ الاتحاد الأفريقي دخول مقبول ودور ممتد

ولج الاتحاد الأفريقي الى باب المشاركة في حل أزمة دارفور بإشارة سماح من الحكومة السودانية بداية العام 2004 * كل من ينادي بغير الدور الأفريقي شخص غير واقعي ولا يدرك التعقيدات التي ستنجم عن أي تدخل أممي

لاجئون من دارفور يجلسون بمعسكر السلام في الإقليم المضطرب (أ.ب)
مصطفى عثمان إسماعيل *
ولج الاتحاد الأفريقي الى باب المشاركة في حل أزمة دارفور باشارة سماح من الحكومة السودانية بداية العام 2004م بالمشاركة في جولة المفاوضات التي انعقدت في ابشى ثم انجمينا في إبريل ذلك العام ومهرت فيها اتفاقية وقف إطلاق النار، وظل السودان والاتحاد الأفريقي يعملان في تعاون لصيق وتم تأطير عملية مراقبة الاتحاد الأفريقي لوقف اطلاق النار في جلسة لمجلس السلم والامن الأفريقي في مايو 2004م أعقب ذلك جلسة للبرلمان السوداني أجاز فيها بالأجماع اتفاقية دخول القوات الأفريقية الى دارفور حسب ما جاء في بروتوكول مجلس السلم والأمن الأفريقي الذي صادق عليه السودان. وتعاظم دور الاتحاد الأفريقي بارسال بعثة من قوات مشكلة من عدة دول افريقية بدأت ببضع مئات وارتفع العدد الى أن بلغ حالياً 7 آلاف عنصر.

وممن أذكرهم وقد لعبوا دوراً في السعي للتسوية السلمية لأزمة دارفور الجنرال عبد السلام ابو بكر رئيس جمهورية نيجيريا الاتحادية السابق والدكتور حامد الغابد الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي، وهو قيادي مقتدر من دولة النيجر، وحالياً ينشط الامين العام لمنظمة الوحدة الأفريقية السابق الدكتور سالم أحمد سالم.

في رأيي ان الاتحاد الأفريقي نجح في قيادة التفاوض وبلغ به الاتفاق الذي ابرم في ابوجا وحقن الدماء وفتح كوة التفاؤل بحدوث السلام والاستقرار في دارفور. وفي معلومي ان السودان بفتحه الباب للاتحاد الأفريقي ليلعب الدور الذي يلعبه ينطلق من قناعة راسخة بقدرة الاتحاد الأفريقي اذ أن قواته وعناصره اقرب الى وجدان أهل دارفور وعموم أهل السودان، وهذا جانب يهمله المنادون بضرورة تدخل قوات أممية من بلدان بعيدة تتباين وتختلف طباعهم وأمزجتهم وأعرافهم عن واقع السودان. وهنا أقرر حكماً بأن كل من ينادي بغير دور الاتحاد الأفريقي شخص غير واقعي ولا يدرك التعقيدات التي ستنجم عن أي تدخل أممي، وأي مساع لتغيير تفويض ومهام الاتحاد الأفريقي غير مجدية والتغيير لن يحدث إلا بموافقة الحكومة السودانية، كما انه يتطلب مراجعة الاتفاقية والتي بموجبها دخلت القوات الأفريقية إلى دارفور ووفق البند الثامن بحسبان أن أي منظمة إقليمية تنحصر صلاحياتها في هذا البند واتفاق أبوجا منح الاتحاد ذلك بإحداث مناطق منزوعة السلاح ومنع أي قوة عسكرية غير قوات الاتحاد الأفريقي من التواجد في المساحات تلك. ومن ميزات قوات الاتحاد الأفريقي أن عناصره بمقدورها خلق اجواء الثقة بين الفرقاء السودانيين.

المبعوث الخاص، كبير وسطاء الاتحاد الأفريقي، د. سالم أحمد سالم، بارك التوقيع على اتفاقية سلام دارفور في ابوجا وكان أبرز المحرضين قبل يوم من التوقيع باتخاذ قرار التوقيع بعد أن أشاد بالوثيقة في منهجتها وصياغتها. كما أشاد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي رئيس دولة مالي السابق البروفسور ألفا عمر كوناري بما تم من توقيع على الوثيقة بلا شروط، وتجاوز التحفظات والملاحظات التي كانت أرجأت الاتفاق والذي من بعده دخلت دارفور في مرحلة جديدة. كما ان رئيس الكنغو برازافيل الذي تولى رئاسة الاتحاد الأفريقي في قمة الخرطوم اكد فور توليه الرئاسة لوكالة رويترز ان قضية دارفور شأن افريقي وتحويل الأمر من الاتحاد الأفريقي غير ممكن. لقد تواصل الحوار مع حاملي السلاح في دارفور بوساطة الاتحاد الأفريقي، وقد وضع السودان أمر حلحلة الأزمة بين يدي الاتحاد الأفريقي لما للسودان من قدم راسخة وعضوية التأسيس لمنظمة الوحدة الأفريقية السلف لخلف الاتحاد الأفريقي ولأولويته في المصادقة على المعاهدة المنشئة لهذا الاتحاد، ولقناعة السودان بالدور الذي بمقدور الاتحاد القيام به فقد حرص على مواصلة الاتحاد لجهوده ودخوله في دارفور باتفاق كافة الاطراف المتنازعة وبرضاء مواطني دارفور، وقد افضى القبول بدور الاتحاد الأفريقي الى ابرام اتفاقية ابوجا 5 مايو العام المنصرم والتي بموجبها أصبح الاتحاد هو المسؤول قانوناً عن مراقبة تطبيق الاتفاقية والتي أدت الى تحسن المناخ العام ورفعت تطلع السودانيين الى عودة الحياة العامة الى طبيعتها وعودة الاستقرار وانتفاء حالة التشويش والعكننة والتي لها تأثيراتها سلباً على اتفاقية نيفاشا أساس الحل الذي تم لقضية الجنوب والى قضايا أخرى.

ولا يستطيع شخص ان ينكر أن من ميزات قوات الاتحاد الأفريقي قدرتها التعرف بسهولة على خصائص منطقة دارفور وطباع سكانها والتعقيدات الاجتماعية والتدخلات الجارية فيها، وينبغي لكل حصيف أن يقرأ ومن هذه الناحية الرفض الذي جهر به النواب البرلمانيون بالمجلس الوطني الممثل لكل اطياف وأنحاء السودان، وكذا مجلس الولايات القومي والمجالس التشريعية والولائية، رفضهم لانتقال مهمة بسط الامن في دارفور من القوات الأفريقية الى قوات أممية وفي رأيي أن أي مساع لتحويل المهام من الاتحاد الأفريقي تعد في المقام الاول خرقا لاتفاقية ابوجا بل واتفاقية نيفاشا التي بسطت السلم في جنوب السودان وأوقفت حرباً قميئة دارت لاكثر من عقدين من الزمان، بل قل نصف قرن إذا ما حسبناها من الوراء عندما اندلعت لاول مرة في عام 1955م في مارس حتى العام 1983م في شهر اغسطس، وللمدقق ان يطلع على الاتفاقيتين، نيفاشا وابوجا، فسيجد الأولى قد تسرب بعض مدادها إلى أوراق الثانية من تلقاء ان الخيار الذي اختطته حكومة الإنقاذ الوطني منذ اول بيان لها في الحكم بسط السلام وتحقيق التنمية وهو المرتكز الأساسي والمحوري والذي لثباته اقتنع به قائد الحركه الشعبيه الراحل د. جون قرنق وجلس للتفاوض والحوار مع الحكومة السودانية، إذ تاكد من جدية السعي الحكومي للوصول إلى حل والمثابرة التي تمت في استخراج البترول وبذله في التنمية والنهوض بقدرات السودان الاقتصادية. لذا فإن خيار الحل السياسي السلمي للمشكلات الموروثة في السودان الذي صار هو الخيار المطروح وفق إسترتيجية هدفت إلى معالجة جذور المشكلات بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الناشئة في عموم البلد السودان، إن في الجنوب أو الغرب أو الشرق أو أي مناطق أخرى، هذا الخيار هو الذي أوصل إلى كثير من المعالجات وإزالة بؤر الاحتقان وفتائل التأزم. وقناعتي ان المحاولات التي تجري لتحجيم دور الاتحاد الأفريقي أو تحويل المهام منه فيه خلط للأوراق سيؤدي إلى نتائج سلبية على نيفاشا ذاتها، وقد أطلعت قبل أشهر على معلومات أدلى بها أحد قادة الحركات المسلحة في دارفور وقد تولى منصباً رفيعاً في الحكومة حالياً عند لقائه بمسؤولين بدولة مجاورة للسودان بان بعض الدول والأطراف تود للحرب في دارفور ان تستمر وإنهم قد استجابوا لداعي ونداء الحوار والتفاوض والمشاركة في الحكومة من إدراكهم أن لا مصلحة لمواطني دارفور في استمرار الحرب، وقد ذكر ذلك القائد إنهم لم يرفعوا السلاح في الأساس ضد حكومة الإنقاذ الوطني وإنما ضد مركز يظلم الهامش، وإنهم وقعوا اتفاقية أبوجا لوقف نزيف الدم والحيلوله دون نشوب حرب أهليه وإقليمية شرسة وإقراره ان الاتفاقيه شملت كل القضايا المطروحة.

وهنا يحق القول إن استمرار حرب دارفور وانفلات الأمور من يد الاتحاد الأفريقي إلى أضابير أخرى سيصعب الأمور ويفاقمها في أتون التعقيدات الحالة بأفريقيا. فهل يعقل أن يحل قضايا أفريقيا بصحاريها ووهادها أشخاص وعناصر آتون من نيبال أو الهند أو استراليا والمالديف. وقد تم إبان مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي الذي انعقد بالعاصمة الإثيوبية اديس أبابا في 30 يناير 2007 المنصرم التأكيد على تمسك السودان بالاتحاد الأفريقي لمعالجة أزمة دارفور حتى التوصل إلى سلام شامل ودائم في الإقليم.

ومجلس الوزراء السوداني سبق أن اعتمد مقررات قمة مجلس السلم والأمن التي انعقدت قبل ذلك بشهرين في أبوجا يوم 30 نوفمبر 2006م ومما تجدر الإشارة إليه أن البيان الذي صدر من قمة أديس أبابا كان قد تطابق في فحواه إلى حد بعيد مع خطة عمل كانت اعتمدتها الحكومة السودانية لا سيما الإبقاء على تفويض ولاية الاتحاد الأفريقي في دارفور باعتبارها الجهة الأساسية لمتابعة تنفيذ اتفاقية أبوجا وحسم أمر قيادة القوى العاملة في دارفور بحيث يكون القائد أفريقيا ويعينه الاتحاد الأفريقي بالتشاور مع الامم المتحدة وان تكون القوات على الارض افريقية على أن يقتصر دور الأمم المتحدة على الدعم الاستشاري والفني والمالي واعتبار الوضع على الأرض هو المحور الرئيسي لحجم القوة وهو الأمر الذي يحقق للاتحاد الأفريقي أن يكون هو صاحب اليد العليا في تشكيل الواقع على ارض دارفور وبالتالي تحديد حجم القوات.

استمرت الحرب في جنوب السودان كما أسلفنا لأكثر من عشرين عاماً بدأت في أواخر عهد حكومة الرئيس جعفر النميري واستمرت فترة المشير سوار الذهب وطوال عهد حكومة الصادق المهدي إلى أن جاءت حكومة الإنقاذ برئاسة الرئيس عمر حسن أحمد البشير حيث أوقفت الحرب وتم التوصل إلى اتفاقية السلام الشامل التي تم التوقيع عليها مع الراحل الدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية في التاسع من يناير 2005م.

وحالما انتهت مشكلة الجنوب تصاعدت مشكلة دارفور، وهي مشكلة قد تختلف إلى حد ما عن الجنوب لكنها مثل مشاكل السودان المتعددة والمتنوعة، اقتصادية (بسبب الفقر وانعدام البنى تحتية) ومشاكل الرعي والزراعة والتوترات القبلية، وهي مشكلة قديمة ترجع إلى ما قبل استقلال السودان. لكنها كتمرد مسلح يرجع تاريخها إلى بدايات عام 2003م أي أنها لم تكمل الخمس سنوات حتى الآن. غير أنها ومنذ العام الأول وحتى الآن شهدت وتشهد تصعيداً إعلامياً وسياسياً بما يشبه السيناريو إلى حد الادهاش خاصة على مستوى العواصم الغربية لم تعرفه مشكلة الجنوب التي كانت تعتبر أطول الحروب في أفريقيا.

الكل تساءل داخل وخارج السودان ما هي أسباب تصعيد قضية دارفور في الإعلام الغربي لهذه الدرجة التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ قضايا النزاعات المسلحة التي يكون وراءها مجموعة متمردة على الحكومة المركزية؟ في تقديري أن هنالك ثلاثة أسباب رئيسية وراء هذا التصعيد: محلية وإقليمية ودولية، تكاملت مع بعضها البعض لتشكل مشاهد هذا السيناريو المدهش والعجيب.

المتتبع جيداً لهذا السيناريو يجد أنه عندما تحدث الهجمة الإعلامية تتم بتنسيق محكم بين هذه العوامل الثلاثة (محلية، أقليمية، دولية) فعلى الأرض يتم رسم توتر في الحالة الإنسانية، ثم ضغوط على مؤسسات الاتحاد الأفريقي المعنية بالأمر «السياسية والعسكرية» وتتحرك العواصم الغربية سواءً عبر المنظمات غير الرسمية (بيانات، مظاهرات، مؤتمرات) أو رسمية في تصريحات من لندن وواشنطن، واجتماعات في نيويورك.. بمعنى آخر تعبئة دولية تهيئ لإصدار القرارات المطلوبة.

تكتسب العوامل المحلية بعداً مهماً وهو الجانب الإنساني في القضية والذي يستغل من قبل الإعلام الغربي أبشع استغلال. ذلك أن مناظر معسكرات اللاجئين بما فيها من أطفال ونساء لا تترك أي مجال لأي شخص مهما كان فهمه للقضية ونظرته للتمرد إلا أن يتعاطف مع هذا الوضع. يزيد الأمر تعقيداً أن هذه المعسكرات قد تم تسييسها. فالمتمردون عندما انهزموا في بدايات المعارك تركوا أسلحتهم وأخفوها وانضموا للمعسكرات كلاجئين وفي داخل المعسكرات ومن خلال الهواتف المحمولة التي يملكونها يتلقون التعليمات من قيادات التمرد بالخارج لتهيئة المناخ البشع لأي زائر لهذه المعسكرات خاصة إذا كان من الدول الغربية. وفي داخل المعسكرات يقومون بعملية إرهاب وضرب تصل لحد القتل لكل من تحدثه نفسه بالتصدي للتصحيح أو توضيح وجهة نظر أخرى. واذكر هنا واقعتين إحداهما شهدتها بنفسي، فقد كنت في زيارة لولاية غرب دارفور ومعي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك يان برونك وعدد من السفراء الغربيين وقمنا بزيارة لمعسكر «مورني» أكبر المعسكرات في ولاية غرب دارفور ويضم حوالي تسعين ألف نسمة وجلسنا نستمع لشكاوى سكان المعسكر. وكان السيد يان برونك يسأل ويجيب عليه أحد شيوخ المعسكر تم انتدابه نيابة عنهم وكان واضحاً أن البعض من منسوبي المعسكر (قيادات التمرد داخل المعسكر) لم يكن مرتاحاً للشرح والإجابات التي رغم أنها تحمّل الحكومة المسؤولية لكنها كانت موضوعية بحيث أوضحت وجود الغذاء والدواء بدرجة معقولة والجهود التي تبذلها الحكومة. وتحركنا مع السيد برونك لزيارة مؤسسات المعسكر الصحية والتعليمية وقبل أن نكمل طوافنا أبلغنا بأن الرجل الشيخ الذي تحدث نيابة عن سكان المعسكر تم ضربه ضرباً مبرحاً وكسرت يده جزاء فعلته وأدخل العيادة الصحية للمعسكر. فذهبنا فوراً لمعاينته في العيادة فوجدناه يبكي من شدة الألم واعتذر له السيد برونك لما حدث وقال موجهاً حديثه للمجموعة التي ضربته «إذا كنتم بهذه القوة بدلاً من ضرب زميلكم لماذا لا تتصدون للجنجويد الذين تزعمون أنهم يهجمون على المعسكر فيقتلون الرجال ويغتصبون النساء؟» أما الحادثة الأخرى فحدثت أثناء زيارة يان إجلاند مساعد الأمين العام للشؤون الإنسانية لمعسكر في ولاية جنوب دارفور. ورغم أن يان إجلاند يعتبر أحد الأشخاص الأساسيين في عملية التصعيد الإعلامي ضد السودان وهو ينسق مع المنظمات الطوعية الغربية تنسيقاً دقيقاً إلا أن مترجمه السوداني لم ينج من القتل أثناء زيارته للمعسكر من قبل هذه المجموعة المسيسة من سكان المعسكر.

هذا الدور الذي يلعبه المتمردون داخل المعسكرات، إضافة لبعض المنظمات الغربية التي لها أجندتها الخاصة ووضع المعسكرات وهجمات المتفلتين الخارجين على القانون كل ذلك جعل المعسكرات مادة خصبة للإعلام الغربي. كذلك فإن حركة التمرد في جنوب السودان (الحركة الشعبية لتحرير السودان) في حربها ضد الحكومة المركزية نجحت في خلق شبكة علاقات عامة في الدول الغربية لدعمها سياسياً ومالياً وإعلامياً وحيث أن الحركة الشعبية ساهمت مساهمة أساسية في تمرد دارفور، فعندما لاحت تباشير السلام في الجنوب قامت بتحويل هذه الشبكة لمصلحة تمرد دارفور، كما انتقلت العديد من المنظمات الغربية التي كانت تعمل في الجنوب إلى دارفور. ويجدر لفت النظر في الموضوع إلى العامل الإقليمي، فأفريقيا كمنظمة إقليمية ذات اتحاد ناشئ هو الاتحاد الأفريقي، الذي لم يتجاوز عمره خمسة أعوام، يأتي تكوينه كتطور طبيعي لمنظمة الوحدة الأفريقية. أسست منظمة الوحدة الأفريقية في ستينات القرن الماضي وكانت مهمتها الأساسية هي استكمال تحرير القارة من بقايا الاستعمار والتمييز العنصري. بانتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بداية تسعينات القرن الماضي ووصول الوطنيين الأفارقة بقيادة نلسون مانديلا إلى سدة الحكم بدأ الأفارقة يفكرون في تطوير المنظمة لبناء القارة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. من هنا جاءت فكرة تأسيس الاتحاد الأفريقي في القمة الاستثنائية يوم 9/9/1999م التي عقدت بمدينة سرت بالجماهيرية الليبية حيث كان المطروح على الاجتماع تأسيس الولايات المتحدة الأفريقية (المثال الأميركي) أو الاتحاد الأفريقي (المثال الأوروبي) حيث اختار القادة الأفارقة الخيار الثاني الاتحاد الأفريقي.

بدأ الاتحاد الأفريقي كمنظمة إقليمية سياسية بمهمة عالية مقارنة بالقارات والتجمعات الإقليمية الأخرى وطرح مبادرة جادة للتنمية الاقتصادية في أفريقيا سميت بمبادرة النيباد، وفي مجال الأمن وفض النزاعات أسس مجلس السلم والأمن الأفريقي وهنا «مربط الفرس». وتجدر الإشارة هنا إلى أن 70% من النزاعات التي ينظر فيها مجلس الأمن الدولي تخص أفريقيا. وحيث أن الدول الكبرى تملك «سيئ الذكر» حق النقض الفيتو الذي يمكنها من استخدام المجلس استخداما مزدوج المعايير للضغط على الدول وتمرير أجندتها السياسية، فقد أحست بأن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيسحب ورقة مهمة من يدها إن سمح له أن ينجح في معالجة المشكلات الأفريقية، ومن هنا كان قرار الدول الغربية الكبرى بتصعيد مشكلة دارفور إعلامياً وسياسياً وإظهار فشل الاتحاد الأفريقي وأهمية أن يتولى مجلس الأمن مهمة معالجة مثل هذه النزاعات وليس الاتحاد الأفريقي.

وللصراع العربي الإسرائيلي أثره في قضية دارفور، فقد استطاعت مجموعات اللوبي الصهيوني في الغرب وبخطة ماكرة خلط البعد الإثني بالبعد الإنساني في دارفور بإبراز القضية وكأنها جرائم ضد الإنسانية يقوم بها العرب ضد الأفارقة في دارفور. ساعد على ذلك أن غالب النازحين كانوا من القبائل الأفريقية، وبهذا تخطط هذه المجموعات لـ«ضرب عصفورين بحجر واحد». أولاً تبرير ما تقوم به إسرائيل ضد العرب في فلسطين المحتلة من تقتيل وتدمير لم ينج منه حتى النساء والأطفال والشيوخ، والثاني تخطط له إسرائيل منذ الإجماع الأفريقي بقطع العلاقات الدبلوماسية معها بعد حرب حزيران 1967م وذلك بإظهار قضية دارفور باعتبارها قضية عرب ضد أفارقة، وهنا تأتي قصة الجنجويد والميليشيات التي تعرضنا لها في مقال آخر والتي أصبحت هدفاً إعلامياً يعبر عبره عن المشكلة.

ويأتي العامل الدولي، وهو غير معزول مما سواه، فهو يأتي ضمن سيناريو محكم. فالإستراتيجية الغربية، والأميركية على وجه الخصوص، قائمة على إيجاد عدو، ومن ثم العمل على حشد الرأي العام حول هذه الإستراتيجية، وقد كان هذا العدو في زمن الحرب الباردة هو الشيوعية وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وأفول نجم الشيوعية أصبح غلاة قادة الفكر والرأي (صمويل هنتجنتون وغيره) يتحدثون عن الخطر الإسلامي. ولا بد من أن يعبر عن ذلك بطريقة ذكية حتى لا يتهم الغرب بمعاداة الإسلام ولذلك نجد تعابير مثل صراع الحضارات وغيره، كما أن العملية لا بد أن تتم بطريقة انتقائية، فتم اختيار النظام السوداني ضمن أنظمة وحركات إسلامية أخرى، مثل إيران وحماس وحزب الله، وتم تصويب الإعلام نحوه منذ قبل قضية دارفور لإضعافه بخلق المشاكل والنزاعات وتشويه صورته باتهامه بانتهاكات حقوق الإنسان. وهكذا كانت قضية دارفور هي النموذج المناسب، فجميع السكان مسلمون، فلا أحد يتهم الغرب بأنه يدعم آخرين ضد المسلمين واستخدام العنصر العرقي وإبراز المعتدي بأنه العربي ضد الأفريقي وتصوير القضية وتضمينها بأنها قضية إنسانية لا بد من أن يتحد المجتمع الدولي تجاهها ويحمل المسؤولية النظام السوداني ذو التوجهات الإسلامية. قد يقول قائل إن الحكومة السودانية (المؤتمر الوطني على وجه الخصوص) مصابة بوسواس التآمر عليها بهدف إضعافها أو إسقاطها وأن هذه الحالة تلازمها منذ يومها الأول ولكن دعونا نتتبع هذه الاحداث لنرى إن كان للحكومة الحق في هذه الوسوسة أم لا. فمما لا شك فيه أن أزهر فترة شهدتها العلاقات السودانية ـ الأميركية هي فترة حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري (1969 ـ 1985) خاصة بعد دحره للشيوعيين وانخراطه في المحور الاقليمى الموالي لاميركا (مناورات النجم الساطع) وترحيل يهود الفلاشا الإثيوبيين الى اسرائيل، إلا أن كل ذلك لم يشفع له عندما قرر تطبيق قوانين الشريعة الاسلامية في سبتمبر 1983م وهذه الحكومة في نظر الولايات المتحدة حكومة اسلامية متشددة. عندما جاءت ثورة الانقاذ الوطني للحكم في العام 1989م استخدمت الإدارة الاميركية القرار رقم 513 الذي يحظر التعامل مع الأنظمة العسكرية في الوقت الذي استثنت فيه أنظمة أخرى جاءت للحكم بذات الوسيلة العسكرية (باكستان مثلاً). عندما تم التوقيع على اتفاق السلام الشامل في نيفاشا ـ كينيا استقبلت واشنطن ولندن الراحل جون قرنق، ثم زوجته، ثم خلفه سلفا كير، ولم تستقبل أو ترحب لا بعمر البشير ولا نائبه علي عثمان الذي وقع على الاتفاقية مع د. جون قرنق، بل زادت العقوبات الأميركية على السودان. عندما تم التوقيع على إتفاقية أبوجا في مايو 2006م لمعالجة قضية دارفور بمساعدة أميركية ـ بريطانية استقبل الرئيس بوش، مني أركو مناوي رئيس حركة تحرير السودان قبل أن يتولى منصبه كبير مساعدي رئيس الجمهورية، ولم يستقبل لا البشير ولا نائبه، بل رفض حتى مقابلة وزير خارجية السودان د. لام أكول حاملاً رسالة من الرئيس البشير. بدلاً من ذلك شددت العقوبات على السودان واستثنى الجنوب رغم اعتراف الحكومة الاميركية بتعاون السودان في مجال مكافحة الارهاب وما زال السودان في قائمة الدول التي ترعى الارهاب.

إذن فالعقوبات بدأت قبل مشكلة دارفور ورغم كل هذه الجهود التي بذلتها الحكومة السودانية وأهمها ايقاف الحرب في الجنوب، وقد ورثتها من الحكومات السابقة، إلا أن منهج وتعامل الحكومة الأميركية تجاه السودان لم يتغيرا. إذن، كل هذه وغيرها ألا تجعلنا نعذر الحكومة السودانية بالإحساس بالمؤامرة والتحسب لها؟ ثمة قضية أخرى شغلت الرأي العام وتزامنت مع قضية دارفور وهي قضية احتلال العراق بواسطة قوات التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وما حدث فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان «يشيب لها الولدان» وأصبحت القضية خاصة وأنها تمت خارج الشرعية الدولية جزءً من حملة الانتخابات الأميركية الفائتة بل نقطة ضعف في برنامج الجمهوريين، فحاولوا جذب الرأي العام لقضية أخرى ذات أبعاد إنسانية لكي يدللوا من خلالها على اهتمامهم بحقوق الإنسان عكس ما يجري في العراق، وكانت دارفور هي القضية، وحيث أن القضية عكست باعتبارها قضية أفريقية وأن الأفارقة الأميركان يشكلون حوالي 17% من القوة التصويتية ونتائج قياسات الرأي العام كانت تشير إلى تقارب المرشح الجمهوري بوش من المرشح الديمقراطي كيري فقد أصبحت قضية دارفور من أهم القضايا للأفارقة الأميركان وظل المرشحان بوش وكيري يتباريان إبان منافستهما للفوز بالرئاسة الأميركية في التصعيد الإعلامي لحد التقرير بأن ما يجري في دارفور جرائم إبادة جماعية تتم بدعم حكومة الخرطوم وما زالت هذه التهمة يتم ترديدها رغم أن قرار اللجنة الدولية التي شكلها مجلس الأمن الدولي ينفي ذلك.

وهكذا انتقلت قضية دارفور إلى الأجندة الداخلية التي تهم الرأي العام في الدول الغربية على وجه الخصوص ومع استمرار الوضع الإنساني أعني بذلك وجود المعسكرات وصور النازحين في داخلها رغم أن الحكومة السودانية وبالتعاون مع المجتمع الدولي نجحت في تجنيب أهالي دارفور حدوث مجاعة أو وبائيات. بل إن المعسكرات من حيث توفير الغذاء والدواء أصبحت في بعض المناطق أفضل حالاً من القرى التي حولها الأمر الذي يفسر زيادة أعداد سكان المعسكرات ليلاً ونقصانها نهاراً حيث يخرج أهل القرى إلى قراهم ليعودوا في المساء. ومع عدم الوصول لحل سياسي شامل يقنع سكان المعسكرات بتفريغها والعودة لقراهم، ومع نشاط المجموعات المعادية للسودان خاصة مجموعات اللوبي الصهيوني في الغرب حيث تقام المعارض في مؤسسة الهولوكوست «المحرقة» التي يديرها ويشرف عليها اللوبي الغربي الصهيوني ومنها تخرج المظاهرات وفيها تقام وتنطلق الحملات الإعلامية التي تجعل دارفور في صدارة الأخبار والشاشات الفضائية. عندما صدر القرار 1706 من قبل مجلس الأمن الدولي وهو القرار الذي يقضي بتحويل القوات الأفريقية في دارفور الى قوات دولية ويتحدث عن إعادة تأهيل القضاء السوداني والشرطة (رفضته الحكومة السودانية)، أعلن المجلس اليهودي في الولايات المتحدة (أننا أولى الناس للاحتفال بهذا القرار، لأننا كنا الضاغطين لصدوره، فسنوقد الشموع وسنقيم الاحتفالات في خمسين دولة وسنسير المظاهرات أمام البيت الأبيض تأييداً وابتهاجاً بصدور هذا القرار)، وقد فعلوا كل ذلك.

وأخيراً فإنني لست من أولئك الذين يبرئون الحكومة عن كل ما حدث، فقطعاً الحكومة تتحمل جزءاً من المسؤولية عما يحدث ولكن الحقيقة تقتضي كشف أبعاد هذه القضية والأيادي الظاهرة والخفية التي تعمل على تأجيجها وتصعيدها. فالكثير من المنظمات والمجموعات والأشخاص جعلوا من قضية دارفور مصدر رزق وتجارة من خلالها يجمعون الأموال من طلاب المدارس بحجة مساعدة أهل دارفور دون أن تذهب إليهم، فهؤلاء قطعاً لا يريدون للمشكلة أن تنتهي ولا للنازحين أن يعودوا إلى قراهم. وتبقى الحرب هي الحرب بما علمتم وذقتم وبما فيها من إنفلاتات ومرارات.

* مستشار الرئيس السوداني ووزير الخارجية السابق

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام