الاثنيـن 25 صفـر 1424 هـ 28 ابريل 2003 العدد 8917
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

الكشف لأول مرة عما أسر به حسين كامل بعد هروبه للأردن إلى رئيس لجنة التفتيش عن الأسلحة

أكيوس: صهر صدام كشف عن أسلحة بيولوجية داخل قنابل من الألياف الزجاجية وعن تجارب على فيروس الإيبولا

عمان: ديفيد كيلي *
رن جرس الهاتف بينما كان رالف اكيوس، الدبلوماسي السويدي، يحزم امتعته للحاق بطائرته المتجهة الى العاصمة الاردنية عمان. وكان على الخط طارق عزيز. ومع انه معروف بالرزانة والتهذيب، فان نائب رئيس الوزراء العراقي كان مرعوبا هذه المرة.

كان اكيوس وقتها رئيسا للجنة «انسكوم» التابعة للامم المتحدة، والتي كانت تفتش عن اسلحة الدمار الشامل العراقية. ويذكر اكيوس ما دار في تلك المحادثة الهاتفية مع طارق عزيز قائلاً: «كان في حالة هستيرية وهو يقول لي: من فضلك لا تذهب الى عمان، تعال اولا الى بغداد. كانوا يريدون منعي من سماع ما كنت على وشك سماعه في عمان».

كان ذلك في اغسطس (آب) 1995، اي بعد عدة ايام من وصول قافلة من سيارات المرسيدس الى الاردن بعد ان غادرت بغداد في جنح الظلام. كان بداخل تلك القافلة الفريق حسين كامل المجيد، وشقيقه صدام وعائلتاهما. حسين كامل كان متزوجا من بنت صدام رغد، وكان شقيقه متزوجا من البنت الصغرى لصدام رنا. ولكن الاهم من ذلك ان حسين كامل كان المشرف على صنع اسلحة الدمار الشامل العراقية واخفائها، وبعد اختلافه مع النظام قرر ان يكشف كل شيء.

تشير تسجيلات المحادثات التي دارت بين حسين كامل واكيوس، والتي افرجت عنها الامم المتحدة في الآونة الاخيرة، ان حسين كامل قال ان العراق تمكن من صناعة انواع مختلفة وفعالة من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية، وانه اجرى تجارب على فيروس الايبولا، وانه نجح كذلك في تصنيع كبسولات متفجرة يمكن ان تنشر سموما بيولوجية. وقال انه امر بتدمير هذه الاسلحة ولكن البرامج والمهارات لاعادة انتاجها ما تزال موجودة.

وقال اكيوس، الذي ظل على رأس انسكوم من 1991 الى 1997، ان كثيرا من تلك الاسلحة لم يدمر، ولكن حسين كامل عندما زعم انها دمرت، كان يقول ما يعتقد انه الحقيقة. ولكن اكيوس قال في نفس الوقت انه لن يندهش اذا لم تحصل القوات الاميركية على اسلحة الدمار الشامل في العراق اثناء بحثها الحالي عنها.

واضاف في محادثة هاتفية من واشنطن الاسبوع الماضي: «ربما تكون هناك بعض الاسطوانات او طلقات المدفعية القديمة ملقاة مع نفايات الحديد في هذا المستودع او ذاك، لكن ما كان يركز عليه العراقيون هو المهارة والخبرة في انتاج هذه الاسلحة. وهم يحتفظون بهذه المعادلات والاساليب في كتب الطهي وفي المايكروفيش. لقد كان السوفتوير هو الاهم بالنسبة لهم من اي شيء آخر».

ورغم ان القوات الاميركية تجوب حالياً كل انحاء العراق بحثا عن مستودعات ضخمة من الاسلحة، فان اكيوس يقول انهم لن يجدوا غير بعض الوثائق والتي ربما يكون الكثير منها قد دمر او نهب في الايام الاخيرة من حياة النظام. وقد حاول الرئيس الاميركي جورج بوش التقليل من حجم التوقعات عندما قال الاسبوع الماضي ان اسلحة الدمار الشامل ربما يكون قد دمرها العراقيون حتى لا تعثر عليها قوات الحلفاء. كما شن هانس بليكس، كبير مفتشي الامم المتحدة اثناء فترة البحث عن اسلحة العراق، هجوما قويا على الولايات المتحدة وبريطانيا عندما قال ان الادلة التي اعتمدت عليها الدولتان حول وجود الاسلحة كانت «واهية الى اقصى مدى».

ويوافقه على هذا الحكم عديد من الخبراء. وقال جيمس سترلين المشارك في تأليف كتاب: «الامم المتحدة والعراق: نزع انياب الافعى»: «لا اعتقد فقط انهم لن يجدوا اسلحة، بل ارجح ألا يجدوها». وقال سترلين، الاستاذ بجامعة ييل، والمشارك في دراسات عديدة لصالح الامم المتحدة، ان مفتشي الاسلحة دمروا اكثر من 80% من مستودعات العراق في بداية التسعينات. واضاف: «قال لي الكثيرون ممن تحدثت اليهم: ماذا اذا لم نعثر على اسلحة الدمار الشامل؟ هذه قصة قديمة. وربما يكون هذا هو الشعور في هذه البلاد، ولكن ليس في الامم المتحدة او في اماكن اخرى في العالم. وهذا سيسيء دون شك للولايات المتحدة ومقدراتها الاستخباراتية».

وصرحت مريم راجكومار، الخبيرة في انتشار اسلحة الدمار الشامل بمؤسسة كارنغي للسلام العالمي، ان احتمال العثور على اسلحة بالحجم الذي يتحدث عنه بوش ووزير الخارجية كولن باول، احتمال ضعيف جدا. وقالت: «ستصيبنا الدهشة اذا لم يجدوا شيئا، ولكن العثور على الكميات التي ذكرت قبل الحرب، يبدو امرا بعيد المنال. ولو كانت هذه الكميات والاعداد موجودة لكنا عثرنا عليها».

تسبب هروب حسين كامل من نواح عديدة في وضع الاساس لهذه الحرب. فقد ادت شروحاته للخطط الطموحة في صنع الاسلحة لدى نظام صدام منذ ذلك الوقت، الى وضع العراق في عين العاصفة بالنسبة للولايات المتحدة. كما ان هروبه احدث صدعا عنيفا داخل القيادة العراقية نفسها جعلها تدلي بمعلومات كانت حريصة على اخفائها.

فقبل استجواب حسين كامل، 43 سنة، طار اكيوس الى بغداد ليستمع الى طارق عزيز. وقد اصر طارق عزيز على ان حسين كامل ليس سوى مارق غير جدير بالثقة. وقال اكيوس عن مقابلته مع عزيز: «كشفوا كميات هائلة من المعلومات وزودوني بكميات ضخمة من الوثائق. وقالوا انهم وجدوا كل تلك الوثائق في مزرعة حسين كامل للدواجن. ولكنني لم اصدق تلك الحكاية مطلقا، بل كانت تلك محاولة منهم للحيلولة دون حصولنا على اية معلومات مفيدة من الرجل».

استخدم المفتشون هذه الوثائق كخريطة طريق واستطاعوا تدمير مرافق كثيرة لصناعة الاسلحة ولكن اشياء اخرى مثل العوامل البيولوجية التي لا تحتاج الى حيز كبير لاخفائها، لم يعثر عليها ابدا. وقال اكيوس: «كانت لعبة تتعلق بالارقام».

وبعد عدة سنوات عثرت ادارة بوش على المواد المفقودة التي يمكن استخدامها لاثبات ان العراق حافظ على برامج اسلحته في خرق واضح لاتفاقيات 1991 التي ادت الى نهاية حرب الخليج السابقة.

بعد وصوله الى العاصمة الاردنية عاش حسين كامل في قصر الهاشمية بضواحي عمان ضيفا على الملك حسين ملك الاردن الراحل. وقد اجرت الاستخبارات الاميركية والبريطانية والاردنية تحقيقات معه، كما قام اكيوس ومفتشوه بنفس المهمة. وتشير تسجيلات جلسة استمرت ثلاث ساعات الى ان حسين كامل قال ان العراقيين استطاعوا وضع العوامل البيولوجية داخل قنابل من الالياف الزجاجية وكبسولات مبرمجة زمنيا تنفجر في الجو لتمطر الذين تحتها بالجراثيم القاتلة للجمرة الخبيثة والبتشوليوم. وقال ان لديهم كذلك غازات الاعصاب مثل السارين و الخردل.

وتحدث حسين كامل عن صاروخ عراقي يصل مداه الى 2000 ميل، كما تحدث عن محاولات فاشلة لتحويل يورانيوم من فرنسا الى سلاح نووي صغير الحجم. وكانت ترد في كلامه اشارات تعبر عن احترام مشوب بالحنق على المفتشين. قال للمفتشين في عمان: «لديكم دور هام في العراق، في هذا المجال. يجب الا تقللوا من شأن انفسكم، فقد كانت جهودكم فعالة جدا في العراق».

وورد في اقوال حسين كامل كذلك ان المجهودات العراقية لانتاج صواريخ بعيدة المدى لم تكن موفقة، لان تضليل المفتشين «كان معركة خاسرة». واضاف: «لم يبق صاروخ واحد. ولكنهم يملكون البرامج والقوالب لانتاجها في المستقبل. وكل هذه مخفية في مكان امين».

وقال حسين كامل انه رغم كل هذه المجهودات المستميتة للحصول على اسلحة الدمار الشامل، فان العراق لم يكن ينوي استخدامها ضد قوات التحالف اثناء حرب الخليج عام .1991 وقال: «تأكد لنا ان الاسلحة الكيماوية اذا استخدمت فان الرد سيكون نوويا».

ويذكر اكيوس ان حسين كامل كان بليغا ومفيدا، ان لم يكن مبادرا ومتبرعا بالمعلومات، وهو وضع مختلف جدا عما كان عليه اثناء لقائه به في بغداد. وقال اكيوس: «اذكر انني كنت اتحدث مع طارق عزيز، فدخل هو الى المكتب وارتمى على الاريكة كاي طفل مدلل والى جانبه مدفع رشاش. كان يضحك باستهزاء شديد من كل اسئلتي وعباراتي ومن اتهاماتي. لم يكن لطيفا ابدا».

ولكن خيبة امله في نظام صدام والصراعات العائلية، وخاصة مع عدي، ابن صدام المتعطش لسفك الدماء، جعلته يغادر العراق. ويقول الذين يعرفونه انه كان يطمح الى حكم البلاد في يوم من الايام. لم يكن يشرب الخمر او يميل الى العراك، كما لم يكن يشعر باحترام كثير لاعضاء اسرة صدام، الذين يفعلون كل ذلك في الخفاء. وقد رشحت الاستخبارات الغربية وبعض المنفيين العراقيين، حسين كامل لخلافة صدام. ولكن نجمه بدا يهوي بعد فترة قصيرة من صعوده. توقفت الزيارات، كما توقفت المقابلات مع وسائل الاعلام. وبعد عدة اشهر وجد حسين كامل نفسه وحيدا في قصر خال. وقال اكيوس: «ربما اكون الشخص الوحيد من غير الاردنيين الذي رآه قبل عودته. كان واضحا انه لا يملك اي نفوذ وسط مجموعات المنفيين من العراقيين. فقد هجروه هجر النواة ولم يتبق احد حوله. كان رجلا بلا مستقبل».

ثم استدعاه صدام واعطاه عهدا بانه اذا عاد مع اسرته واطفاله، فانه سيغفر له كل شيء. واذا وضعنا في الاعتبار القسوة التي تصرف بها صدام حسين مع اي شخص تزعزع ولاؤه له او للنظام، فانه سيكون مثيرا للدهشة ان يقبل حسين كامل ذلك العرض. وقال اكيوس: «يبدو انه اعتقد ان صدام سيوبخه ويكتفي بذلك، فهو في نهاية المطاف زوج ابنته ووالد احفاده».

وفي فبراير (شباط) 1996، حمل حسين كامل وشقيقه صدام، اسرتيهما على سيارات اسرعت بهم شرقا عبر الصحراء الاردنية والى داخل العراق. وبعد دقائق من عبورهم الحدود، قابلتهم مجموعة مسلحة فصلت النساء والاطفال ووضعتهم في سيارات مختلفة.

ما حدث بعد ذلك ليس معروفا على وجه اليقين. قالت وسائل الاعلام العراقية ان حسين كامل وغيره من رجال اسرته هاجمهم رجال آخرون من قبيلتهم شعروا بالعار لهروب الاخوين. وقد حدث تبادل لاطلاق النار توفي فيه حسين كامل وشقيقه وبعض الرجال الآخرين.

* خدمة «لوس انجليس تايمز» ـ خاص بـ «الشرق الاوسط»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام